إلى الشيخ فتحي الموصلي (لقد ارتقيت مرتقىً صعبا)

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وازواجه و ذرياته وبعد: فلقد بلغني هذا الكلام عن الشيخ فتحي الموصلي بشأن الشيخ حارث الضاري رحمه الله تعالى واشترط هو في مبحثه العلمَ والعدلَ، فلما قرأت كلامه واستمعت إليه في تسجيل صوتي وجدت أن كلامه عن الشيخ الضاري وعن هيئة علماء المسلمين في العراق يفتقر إلى العلمِ والعدل من جهات عدة:أولاً: إنه حكم على أفعال الشيخ واجتهاداته بأنها كانت خاطئةهذا القول قد خلا من العلم والعدل.فأما العدل فيقتضي أن يذكر مواقفه واجتهاداته التي أصاب بها ويذكر أفعاله واجتهاداته التي أخطأ فيها أمّا أن يحكم على كل مواقفه واجتهاداته بالخطأ فهذا هو عين الجهل بأفعال الشيخ واجتهاداته من جهة، وهو عين الظلم للشيخ أيضا فالعدل مع كل مُنتَقَدٍ أن تُذكر حسناتُه وسيئاتُه وهذا لم يقع في كلام الشيخ الموصلي بل إنه حكم حكماً مطلقاً ووحيداً على أفعال الشيخ الضاري واجتهاداته بالخطأ المطلق وهذا مالم نسمع به من قبل فإن علماء المسلمين يعدلون حتى مع أهل البدع والأهواء، بل ويعدلون مع الكفار والمشركين بذكر حسناتهم وسيئاتهم.ثانيا: قول الشيخ الموصلي: وكثير منها أي (أفعال الشيخ الضاري واجتهاداته) أضرّت بأهل السنة بل هي من أسباب إضعاف أهل السنة!وكل مطَّلِعٍ على مواقف الشيخ الضاري من الاحتلال وحكومات الاحتلال المتعاقبة تدل على صواب رؤيته الثاقبة للأحداث وأنه رحمه الله تعالى كان ذا بصيرة وفراسة سديدة في قراءة مستقبل العراق الذي قادته حكومات طائفية وعرقية آثرت مصالحَها على مصلحة الشعب والبلد وخدمت الاحتلالَ والدولَ الأخرى أكثر من خدمتها لهذا البلد وأهله وكان رافضًا لهذه الطريقة في تأسيس الحكومة لأنها سوف تؤدي إلى سحق الشعب وإهدار أمواله بانتفاع الاحتلال وعملائه على حساب مصلحة البلد ووافق المشاركون في العملية السياسية ممن ادعى تمثيل أهل السنة على تقسيم الرئاسات الثلاث على أساس طائفي وعِرقي.وكان الشيخ الضاري رحمه الله أولَ من رفض قانون بريمر الذي تقرر فيه أن نسبة أهل السنة 19٪! ومرّره المشاركون في العملية السياسية ممن ادعى تمثيل أهل السنة فيها. وكان الشيخ الضاري أولَ من رفض الدستور المسخ الذي يُذبح فيه أهل السنة إلى هذه الساعة وصوّتَ على إمراره المشاركون في العملية السياسية ممن ادعى تمثيل أهل السنة فيها. فمن الذي أضرَّ بأهل السنة؟ الرافضون أم المشاركون الذين ارتضوا أن يكونوا جزءًا من ديكور حكومة الشراكة الوطنية!ثالثا: قول الشيخ الموصلي: بل هي (أي أفعال الشيخ واجتهاداته) من أسباب إضعاف أهل السنة.قلت: والله إن هذا هو عين الظلم والإجحاف في حق الشيخ الضاري رحمه الله فلقد كان ناصحًا أمينًا لكل من أراد أن يشارك في العملية السياسية ودعاهم إلى تصحيح نسبة أهل السنة19٪قبل الدخول في العملية السياسة ليكون لهم ثقلٌ في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ولكنهم لم يسمعوا نُصحَه وارتضوا بهذه النسبة الضئيلة التي جعلتهم (خريعة خضرة) في البرلمان والحكومة والقضاء لأنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أقلية. ونصحهم أن يرفضوا الدستور قبل المشاركة لأنه ليس في صالحهم إمراره والعمل به فهو السكين الذي سوف يذبح به أهل السنة. ونصحهم أن يطالبوا بإجراء إحصاء سكاني قبل المشاركة لتتبينَ النسبة الحقيقية لأهل السنة في العراقفلم ينصت إليه أحد منهم. فمن الذي أضرَّ بأهل السنة؟ المشاركون أم المعارضون!رابعاً: قول الشيخ الموصلي: هيئة علماء العراق في ذلك الوقت لم تكن مدركةً للواجب الشرعي، فضلا عن عدم إدراكها للواقع الدقيق العملي للعراق.قلت: وهذا التوصيف عارٍ عن العلم بموقف الهيئة الشرعي تجاه الاحتلال ومشاريعه، وعارٍ عن العدل الذي يقتضي الشهادة بالحق والإنصاف لهيئة دعت إلى واجب الوقت ألا وهو جهاد الدفع للعدو الكافر المحتل لأرض الإسلام وهذا ليس نقطة خلاف بين العلماء إنما هو موضع إجماع وهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها عملت على تأصيل مشروع سياسي ينطلق من أصول الدين ومقاصده في تحرير البلاد من الاحتلال وأذنابه وعملائه وإعادته إلى أهله ولكن هذا المشروع قد فتَّ بعضُده من يدَّعون أنهم يمثلون أهل السنة ممن اشتركوا في مجلس بريمر وأسهموا بتمرير الحكومات العميلة المتعاقبة بما رضوا به من فتات موائدهم. لقد كانت الهيئة حريصةً على كرامة العراقيين عموما وأهل السنة خصوصا وذلك بأن تكون لهم مشاركة مشرِّفة وحقيقية في العملية السياسية لا أن نكون مجرد أثاث تكميلي لحكومات عميلة دمّرت العراق وأهله، ولكن المصلحيين والوصوليين ممن ادعى تمثيلَ أهل السنة في الحكومات المتعاقبة هم الذين أفشلوا هذا المشروع وعملوا على تشويه سمعة الهيئة وموقفها الشرعي والأخلاقي تجاه البلد وأهله. خامسا قول الشيخ الموصلي: ولكنكم تريدون أن تدفعوا عدوكم بالعواطف والشعارات!قلت: أية عواطف وأية شعارات والهيئة كانت تدعم المشروع الجهادي الذي روّتْ دماء أعضائها أرض العراق؟! أية عواطف وأية شعارات والهيئة وأعضاؤها كانوا وما زالوا مطلوبين للقضاء ومنهم من يقبع في السجون ومنهم من غُرِّبَ خارج البلاد.أية شعارات وأية عواطف والهيئة وقفت بكل قوة وشجاعة بوجه أعتى دولة في العالم ولم تجامل ولم تداهن في قولة الحق والدفاع عن المظلومين وتبيان عورات الاحتلال وأذنابه ومخططاته ومشاريعه التي قصد من خلالها تقسيم البلاد وإشعال الطائفية بين أبنائه وقد نجح في ذلك لأن العملاء والخونة قد أعانوه على عرقلة مشروع الهيئة الوحدوي للأرض والشعب. سادسا: قول الشيخ الموصلي: وإن طريقتكم (أي في الهيئة) أقرب إلى العاطفة العشائرية منها إلى الرؤية الشرعية! قلت: والله هذا توصيف عجيب لهيئة شرعية انطلقت من أصول دينها لمقارعة المحتل الكافر لأرض الاسلام. أية عشائرية تتكلم عنها وأعضاؤها يمثلون أغلب عشائر العراق! ولم يخطر ببال أحدنا في يوم من الأيام أن الذي يجمعنا هو العاطفة العشائرية همُّنا كان الاحتلال، وهمنا كان المحافظة على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وهمنا تحرير العراق وعودة هيبته واستقلاله واستقراره، عن أية عشائرية تتكلم يا موصلي. سابعاً: قول الشيخ الموصلي: إن الدافع له ولغيره وبالذات الدكتور حارث هو أنه انطلق بالتعامل مع دخول الأمريكان بنظرة تاريخية عشائرية أكثر بأن تكون بنظرة شرعية علمية! قلت: ويقصد بذلك جذور الشيخ التاريخية الممتدة إلى ثورة العشرين حيث صولة جدِّه المجيد ضاري المحمود رحمه الله تعالى في قتْلِ الضابط الإنگليزي “لچمن”وإني والله لأعجب كل العجب أن يكون مجدُ اجداد المرء مثلبةً عليه إذ يعيب الشيخ الموصلي على الشيخ حارث الضاري أن يستنهض همة الماضي المجيد في مقارعة الاحتلال الجديد! ومع كون الشيخ حارث رحمه الله تعالى يحمل نياشين العزِّ من جده المجاهد ضاري المحمود غير أن الوازع الذي حمله على مقارعة المحتل وأذنابه وعملائه في العملية السياسية هو الواجب الشرعي الذي أجمعت عليه الأمة في جهاد الدفع على كل مسلم للمحتل الكافر الغازي لأرض الإسلام وهذا من مسلّمات الشرع التي لا يختلف عليها اثنان ولا تنتطح عليها عنزان. فهل يعد العملُ بالإجماع والأخذُ به مثلبةً على المرء؟! كلمة أخيرة أقولها للشيخ الموصليلقد ارتقيت مرتقىً صعباً، وظلمتَ الشيخ الضاري وبخستَه حقه واتهمتَه زوراً وبهتاناً.ولقد أثبتت الأيام أن موقف الهيئة هو الصواب والحق وكل ما توقعه الشيخ حارث مما آلتْ إليه أحوال البلاد كانت حقةً ومُسدَّدةً من الحق سبحانه حيث قال الله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (75) سورة الحجر.والمتوسِّمون هم أهل الفراسة، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن:(إن لله عباداَ يعرفون الناس بالتوسُّم).

Similar Posts