|

أمين أهل السماء يدعو وأمين أهل الأرض يؤمن

الشيخ عبد المنعم البدراني

صعِد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المنبرَ، فقال: آمين، آمين، آمين، فلمَّا نزل سُئل عن ذلك، فقال :(أتاني جبريلُ، فقال: رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين، ورغِم أنفُ امرئٍ ذُكِرتَ عنده فلم يُصلِّ عليك، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين، ورغِم أنفُ رجلٍ أدرك والدَيْه أو أحدَهما فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين) رواه الترمذي وغيره وحسنه الحافظ ابن حجر.

السؤال المطروح للإجابة عليه

أيُعقَلُ بأن يردَّ الله تعالى دعاءً يدعو به سيد الملائكة جبريل عليه السلام، ويؤمِّن عليه سيد الأولين والآخِرين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم؟!

ومعنى :(رغِم أنفُ امرئٍ) أي دُسَّ أنفه في الرُّغام وهو التراب، وهو كناية عن الذل والخسران والخيبة وما يصيبه من ندم على ما فاته من أجر وثواب بسبب إعراضه عن الإتيان بهذه الأعمال الشريفة والراقية.

لطيفة من لطائف الحديث:

جاء الدعاء على مَنْ ذُكِرَ عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصلَّ عليه بعد الدعاء على من لم يأت بواجب كصوم رمضان على أكمل وجه، وبين من جاء بمعصية فقصّرَ بحق والديه عليه، وهو تبيان لمن أهمل العمل بالواجبات التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها عن ربه وهو الصوم، وكذلك تبيان لمن واقع ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر، كعقوق الوالدين، وفي ذلك إشارة إلى أن من لم يُصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره فهو متجاهل لأمره ولنهيه صلى الله عليه وسلم من باب أولى.

مسألة :

قوله تعالى في سورة البلد :((لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (2) وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ (4)

هذه الآيات المباركات فيها ثلاث مسائل:

الأولى: القَسَم، وهي معنى قوله تعالى:((لَآ أُقۡسِمُ)) ولا النافية مؤكدة للقسم وليست نافية على معنى النفي المعلوم والمتعارف عليه.

الثانية: مُقسمٌ به، وهم ثلاثة متوالون:

1_مكة المكرمة وهي المقصودة بقوله تعالى:((:((لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (1)) وهي أعظم بقعة على وجه المعمورة عند الله تعالى: ويُقصد منها الحرم المكي الشريف، على وجه الخصوص، وهو معلوم الحدود من الجهات الأربع.

2_النبي مّحمد صلى الله عليه وسلم وهو المقصود بقوله تعالى:((وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (2))

والواو عاطفة، عطفت النبي صلى الله عليه وسلم على البلد الحرام، وتقدير الكلام نقسم بهذا البلد، ونقسم بك فأنت أعظم مَن حَلَّ بهذا البلد؛ بل أنت عندنا أعظم حرمةً من هذا البلد، وإن القسم بك من باب أولى.

وهذا من جنس تعظيم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فلقد أقسم به في موضع آخر حيث قال سبحانه في سورة الحجر :((لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)) فنقل بعضهم إجماع المفسرين على هذه الآية بأنها قسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا أمر معلوم جوازه في كتاب الله تعالى، إذ أقسم الله تعالى بكثير من خلقه.

اما المخلوق فلا يجوز له أن يُقسم إلا بالله تعالى.

3-قوله تعالى:((وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ (3)) وهو قسم بسيدنا آدم عليه السلام وذريته.

الثالثة: هو جواب القسم، وهو المقصود بقوله تعالى:((لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ (4)) أي مكابدة العيش وعسر الحال، وضيق في الرزق.

Similar Posts