الأجسام والأَفهام

الناقد أدهم الشبيب

لا علاقة طردية ولا عكسية ثبتت علميا بين الطرفين المكونين لكيان الإنسان والمنبئين عن شخصيته (العقل والجسد)، ولا تناسب رصد من قبل الدراسات والفلسفات عبر تاريخها بين العاملين الآنفين أي (الجسم والفهم) عصرنا هذا الوحيد وبدون منازع الذي رجح كفة الأجسام رغم التطور الحضاري والعلمي الهائل الذي يفترض أن يقدم الأفهام إذ لم تعد للجسم وقوته وأدائه قيمة تذكر أو مساهمة حاسمة ولا ضرورة كما في أي عصر سبق.

فإذا كان العصر الجاهلي والروماني والإغريقي قدم أرجحية الأجسام عند ظهور قوانين “إسبارطه” وسيطرة قوة الرجال -دون غيرها- لتحكم ممالك العالم، إلى أن قدم قادة مثل خالد بن الوليد فغيروا المعادلة متنورين بهدي الإسلام وقوة تأثيره على الأفهام ومتابعة نور النبي وإرشاده فغلبوا أهل العدة والأجسام من كسرى وقيصر وغيرهما، فصار شعراء العرب يقولون:

لا خير في حسن الجسوم وطولها

مالم تزن تلك الجسوم عقولُ

وقد كان من المنطق والمفهوم أن تحل الأجسام في المرتبة الأولى محل الأفهام في عصور الكهوف والحجارة والصراع الكوني بالسيف والرمح بين الأمم، ولا نغفل بتجوالنا السريع العراقيين القدامى ومن حولهم وشاركهم من حوض سوريا والأناضول الذين ميزوا حضارتهم أيضا بإعلاء الأفهام باختراع الكتابة والعجلة والقانون، وبقي التصارع بين أهل الكفتين متقاربا ومتضاربا طوال قرون لا تحصر بمقال، فتبارى الناس مرة بحسن الجسوم دون العقول فقال شاعرهم :

ودهر ناسه ناس صغار

وإن كانت لهم جثث ضخام

فأخرج نفسه:

وما أنا منهم بالعيش فيهم

ولكن موطن الذهب الرغام

بينما جاء عصر افتخر شاعرهم بالقلب الشجاع والفهم فقال:

ترى الرجل النحيف فتزدريه

وفي أثوابه أسد هصور

ويعجبك الطرير إذا تراه

فيخلف ظنك الرجل الطرير

ولذا تجد “غالبا” أهل الأفهام نحيلي الأجسام ومنهم الفلاسفة وأهل الفكر والفنانون والشعراء “دون صحة التعميم” ، يقول أحدهم :

كفى بجسمي نحولا أنني رجل

لولا مخاطبتي إياك لم ترني

ولكنه ملأ الدنيا صيتا ومجدا ونفعا للناس بقوله.

حتى دخل عصر الثورة والصناعة في القرنين الأخيرين وغلبت كفة الأفهام التي انزوى فيها أهل الأجسام وتراجعت مكانتهم واقتصرت على السينما والرقص والرياضة وتسلية الجمهور، بعد أن قاد أهل الأفهام كل شيء في هذه الأرض وطوروه، من أول استعمارها والتمكن من الأمم الأخرى الأقوى جسمانيا فصعدت بريطانيا وفرنسا بدلا من المانيا وتركيا ومصر وأفريقيا وأمم جسمانية أخرى انزوت وصارت تبعا، وتفوقت اليابان بأجسادها الضئيلة وقوة أفهامها، وظل الأمر ساريا هكذا بتفوق العلم على العضلة والفهم على الجسم،

فإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

إلى عصرنا الحاضر عصر الانحدار الخلقي والتراجع العقلي وانطماس كفة الأفهام وانطلاق أهل الأجسام، ولكن هذه المرة ليست لصالح الرياضة وليس الحروب ولا نحت الجبال وبناء الجنائن المعلقة والأهرامات، بل أجسام عارية أو تافهة تعرض للجذب الجنسي الغبي من النساء أو الاستعراض العضلي من توافه الرجال دونما أي انتاج يخدم البشرية أو انجاز يدفع بعجلة الدولة والمجتمع ، فبين مرأة تافهة تستهلك أموال الاقتصاد العام من أجل جسمها ونفخ وجهها لتكسب به مكانة وتكرم وتأخذ مكافآت وتجلس في مقصورات، أو رجل كل خدمته للبشرية أنه يذهب إلى قاعة رياضية ويلتهم بروتينات ليرتدي بعد ذلك بدلة ضيقة تبرز عضلاته العديمة الجدوى بمظهر حيواني أنيق، وبعد فإنه في غالب الأمر فإن كل المدح كان للأفهام والعقول سواء في القران وفي الفلسفات والأديان ،فقالت العلماء عن ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ أي عن سائر المخلوقات حتى ممن هي أضخم منه فيكون التكريم ربما بالعقل محط التكليف أو بتسخير المخلوقات لخدمته، فإذا اجتمعا في مدح أو منفعة كان العلم والفهم مقدما ،فعندما جمع الله تعالى في امتداح ملك مختار لقوم أراد نصرتهم، قال واصفا محاسنه :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ﴾ فقدم نعمة علمه وفهمه على جسمه وقوته ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

Similar Posts