من أعلام الإصلاح في العراق (9) | محمود فهمي درويش

بقلم د. مثنى حارث الضاري

        هو: محمود فهمي بن محمد درويش بن عزيز، من عائلة (آل عبد العزيز) البغدادية ذات الأصول الكردية. ووالده محمد درويش من العلماء، عمل في دائرة المحاسبات وفي دائرة الأملاك المدورة، ومن ثم في دوائر (الأراضي السَنيّة) حتى أصبح مديرًا لها، ثم أصبح رئيسًا لكتَّاب المحكمة الشرعية ببغداد. درس على علماء ومشايخ بغداد وغيرهم، نحو: العلامة (نعمان خير الدين الألوسي) الذي أخذ منه الإجازة العلمية العامة، وكان حافظًا للقرآن الكريم وخطاطًا معروفًا، ونال رتبًا وأوسمة عدة في العهد العثماني.

        ولد (محمود درويش) ونشأ في رعاية والده في محلة (الصدرية) برصافة بغداد سنة (1905م)، ودرس دراسته الأولية في (المكتب السلطاني العثماني) ثم في (دار المعلمين الراقية) الابتدائية، التي أتمها سنة (1926م)، ودخل في السنة نفسها (مدرسة الصيدلة) وكانت وقتها من صفين. ولم يكتف بتحصيله في هذه المدارس؛ فأخذ ودرس العلوم الشرعية واللغوية على يد الشيخ (علي علاء الدين الألوسي) والشيخ (عبد الجليل آل جميل) مفتي الكاظمية، ونال الإجازة العلمية في العلوم اللغوية من الشيخ (مرتضى الخالصي) في الكاظمية، والإجازة في علوم الفلك من والده الشيخ (محمد درويش).

محمود فهمي: مدرسًا وباحثًا في العلوم الطبيعية

        مارس (درويش) التعليم في المدارس الحكومية والأهلية أولًا عدة سنوات؛ حيث درّس في: مدرسة (تطبيقات دار المعلمين) (1926-1927م)، ثم في (الثانوية الرحمانية السليمانية) في البصرة (1928_1929م)، وأخيرًا في (المدرسة الحسينية) الأهلية (1928-1929م)، وأشرف على تشييد بناية جديدة لها في محلة (الدهانة) بالرصافة.

        وفتح بعد ذلك مختبرًا خاصًا، يعُد الأول من نوعه باسم (ابن سينا)، وأجرى فيه التحاليل الكيمياوية، وصنع بعض الأصباغ الزيتية وحبر المطابع والعطور وغيرها، ثم اضطر لإغلاقه وبيعه لوزارة المعارف، وألقى أثناء عمله في المختبر محاضرات في العلوم الطبيعية في (منتدى التهذيب) و(نادي الإصلاح) في بغداد.

        ثم انتقل بعد ذلك للعمل الوظيفي في وزارة الزراعة، فعين ملاحظًا فنيًا في (مديرية أمور الزراعة)، وتدرج في وظائف الوزارة فأصبح معاونًا اختصاصيًا، ثم وكيلًا لمدير قسم وقاية النبات، ثم (اختصاصيًا) زراعيًا، وأخيرًا مديرًا لقسم المطبوعات الفنية والنشر بالوزارة، وأشرف على تحرير (مجلة الزراعة العراقية) منذ سنة (1948م) وحتى إحالته على التقاعد، ثم أعيد إلى عمله بعد ثورة تموز (1958م).

درويش: كاتبًا ومؤلفًا

        ورث درويش عن والده الموسوعية والاهتمام بالعلوم ولاسيما علم الفلك، الذي كان والده بارعًا فيه، وله فيها عدة مؤلفات، منها: (حساب التقاويم) و(المقابلات الفلكية لحساب الخسوف والكسوف) و(التقاويم السنوية ومقابلاتها) و(اختراع خاص لمعرفة أوائل الشهور العربية ومقابلتها بالميلادية). وخلف (درويش) والده في مجلسه المعروف الذي كان يعقده في منزله في محلة (باب الشيخ)، ويجتمع فيه العلماء والأدباء والتجار، أمثال عبد اللطيف ثنيان، ومحمد طاهر الراضي، وإبراهيم الشالجي، وزاد على خزانة كتب والده الكبيرة كتبًا ومخطوطات كثيرة ومتنوعة الاهتمامات.

        وقد ألف (درويش) بحكم بيئته المتأثرة بثقافة والده واهتماماته المتنوعة؛ في مجالات عدة، فكتب في: علوم الزراعة والكيمياء والفلك، فضلا عن كتاباته الفكرية والتاريخية والجغرافية والبلدانية والسياسية. وقد حظيت ثقافته الواسعة واهتماماته المختلفة بإعجاب معاصريه والكاتبين عنه، فقال عنه الدكتور مصطفى جواد: “خطيب مرتجل مِدره -مدرك- بلیغ العبارة، قوى الحجة، قوى الحافظة، وكاتب بارع، ناصع الأسلوب ضليع في الأدب ولغة العرب والتاريخ، حرر في عدة مجلات وصحف وعالج مواضيع مختلفة علمية وأدبية واجتماعية وسياسية، وقام مدة أكثر من عشر سنوات على تحرير مجلة الزراعة العراقية الرسمية التي كانت تعتبر أولى المجلات وفضلاها في الشرق الأوسط في اختصاصها ومقامها” .

        ووصفه (الشيخ محمد محمود الصواف) بالأستاذ الأديب، وسماه المؤرخ خليل إبراهيم العلاف: (رجل الأدلة)، قائلًا عنه: “أنا شخصيا مٌعجب بهمة هذا الرجل، وثقافته الواسعة، وحبه لبلده. ومع أن توجهه علمي؛ حيث إنه كيمياوي إلا أنه اهتم بالثقافة العلمية والإنسانية في العراق بشكل لا مثيل له” .

        وأقدم مؤلفات (درويش): (دروس الأشياء في الزراعة والحكمة والكيمياء)، الذي كتبه لتلامذة الصفوف السادس الابتدائية (1926م)، وأعد بعده بالاشتراك مع غيره كتاب (الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936م)، وهو كما ورد في ديباجته “موسوعة سنوية إدارية اجتماعية اقتصادية تجارية زراعية مصورة” لصاحب الامتياز الباهو دنكور، ورئيس التحرير محمود فهمي درويش. وله أيضًا الكتاب المشهور والمهم: (15 أيار كارثة فلسطين) (1948م) بنسختين عربية وإنكليزية، و(التوازن الاجتماعي في الإسلام) (1951م) و(التقويم الزراعي لسنة 1957م)، و”يضم الوقوعات الفلكية والتنبؤات الجوية والمواسم الزراعية في مختلف المناطق العراقية”، و(الدليل الرسمي للجمهورية العراقية لعام 1960م)، وهو: أشبه بدائرة معارف علمية وتاريخية وجغرافية، بالاشتراك مع د. مصطفى جواد ود. أحمد سوسة وآخرين.

        وله أيضًا كتاب: (اللمع والأقباس) في الأدب والاجتماع، وهو مخطوط من جزئين، و(الكيمياء العربية أو علم جابر) و(بین آطام مكة ووادي يثرب) و(ألف مسألة ومسألة في الكيمياء والفلك) و(الحالة الرابعة للمادة) ، فضلًا عن “عشرات المقالات التي استوعبت من الزمن أكثر من ربع قرن في مختلف الجرائد” كما يقول الدكتور مصطفى جواد . ويقول هو عن نفسه فيما يتعلق بمقالاته عن القضية الفلسطينية، وطبيعة الصهاينة وأحوالهم: “درست أحوالهم عن كثب وحبرت في ذلك مقالات كثيرة نشرتها خلال الأربع سنوات الأخيرة بتواقيع مستعارة لعل أبناء قومي ينتبهون عن طريقها وينفضون عنهم الرقاد ولكن دونما نفع أو جدوى..؟!” .

درويش: مفكرًا ومصلحًا

        محمود فهمي درويش من الشخصيات المهمة في العراق في القرن العشرين الميلادي، على المستويات الفكرية والثقافية والعلمية والأدبية، وآثاره في الحياة الثقافية وجهوده في العمل الوطني كثيرة ومتنوعة. وهو من الشخصيات التي تحتاج إلى التعريف بها أكثر وبيان خدماتها وأياديها البيضاء في العراق وخارجه.

        وقد كان -رحمه الله- معنيًا كثيرًا بالتواصل مع علماء الأمة ومصلحيها وقادة الفكر فيها، وله في ذلك وقائع وشواهد كثيرة. يقول عنه مصطفى جواد: “وبيته مباءة لكثير من كبار رجالات العرب وعلماء المسلمين فقد احتفى في بيته بمناسبات مختلفات بعدد غير قليل منهم” . ومن هؤلاء: الوفد السوداني برئاسة إسماعيل الأزهري، ووفد الجامعة العربية برئاسة عبد الرحمن عزام ووفد الهيئة العربية العليا في فلسطين برئاسة السيد جمال الحسيني، وعدد من الوفود الجزائرية والباكستانية والهندية، وغيرها.

        وكان حريصًا أيضًا على المشاركة في تكريم الشخصيات العلمية والفكرية التي تزور العراق، ونُقلت كلمات وخطب عدة في المحافل التي كانت تقام لهذا الغرض، ومنها: كلمته في حفل تكريم الشيخ محمد بشير الإبراهيمي ووفد جمعية علماء المسلمين في الجزائر، وكلمته في حفل تكريم الدكتور زكي مبارك، وغيرها.

        وكان -رحمه الله- معنيًا بالمشاركة في المؤتمرات والتجمعات الإسلامية العامة خارج العراق، التي كانت في زمانه كثيرة ونشطة، وتبحث قضايا الأمة في مختلف جوانبها ومتنوع مآسيها، ومن ذلك مشاركته: في المؤتمر الإسلامي في (مكة المكرمة) سنة (1950م)، وانتخابه عضوًا في مؤتمر (رابطة الشعوب الإسلامية) في (کراتشي) سنة (1952م)، ومشاركته في مؤتمر علماء المسلمين في كراتشي في العام نفسه .

        ولم يقتصر (درويش) على ذلك بل كان يستخدم كل وسيلة ممكنة؛ للقيام بما يراه واجبًا من مناحي الإصلاح وخدمة المجتمع والأمة، فخطب وحاضر في مصر وسورية وفلسطين والحجاز وباكستان، وسلك سبيل الوسيلة الأشهر والأكثر انتشارًا وقتها، وهي الإذاعة؛ فأذاع كثيرًا من محطات: بغداد ومكة المكرمة والقدس وکراتشی والشرق الأدنى في (يافا) بفلسطين. ومن أشهر أحاديثه الإذاعية: سلسلة كلماته عن فلسطين، من محطة (إذاعة بغداد) على مدى أشهر من سنة (1948م).

        وتظهر أفكار (درويش) في كتاباته وخططه التي يطرحها في ثنايا مؤلفاته، داعيًا إلى الإصلاح عامة، وفي الجوانب السياسية والثقافية والفكرية خاصة، ومستغلًا كل منبر ووسيلة لبث أفكاره وتجاربه، والحث على الأخذ بأسباب التغيير للأفضل والإصلاح المنشود للأمة وشبابها. ومن ذلك ما ذكره في كتابه (كارثة فلسطين) واصفًا السلاح الذي يمكن القضاء به على دويلة الصهاينة، قائلًا: “لم يكن هذا السلاح سوى الأخذ بأنظمة جديدة لكياننا الاقتصادي كما ألمعت إليه سابقًا… فنخرج من الحياة التي ألفناها إلى تنسيق نظام صناعي ومالي وثقافي؛ لكي نستمر في الحرب ونحن على قدم المساواة في التنظيم والتعبئة والتسليح مع الخصم.. وهو ما لم نحاوله للأسف حتى اليوم…!” .

        ومن أفكار (درويش) العميقة وملاحظاته الدقيقة المبكرة؛ قوله في سنة (1948م)، متحدثًا عن واقع الأمة وقتها، وكاشفًا عن حقيقة الادعاءات الصهيونية” “اقتطع الإنكليز والأمريكان والروس من وطنها جزءًا سیکون حجر الزاوية في انتشارهم للاستيلاء على الهلال الخصيب وجانب من الكنانة من (نهر مصر إلى النهر الكبير)؛ فكل محاولة نظرية لإظهار بطلان ادعاء الصهيونيين لا تجدي عمليًا أي نفع؛ لأن الصهيونية لم تعد ادعاءً نظريًا يمكن دحضه بنظرية حقوقية أو علمية، بل إن مشروع الصهيونية أمسی واقعًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، فاليهود لم ولن يتكلوا على الرأي العام العالمى وحده لإقرار ادعاءاتهم؛ بل يعملون جادين في كلامهم وحركاتهم وتصرفاتهم وحديدهم و نارهم، بله خزائن أموالهم وسرعة نموهم: بالمواليد والصناعة الجبارة التي أسسوها ولا زالوا يدأبون لتأسيس ما لا يخطر على البال لتحقيق خططهم الاستعمارية في سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر بصورة خاصة وسائر بلاد الشرق الأوسط بصورة عامة؛ فالكارثة بعد هذا لم تعد كارثة فلسطين إنما هي كارثة عامة بدت سافرة مذ دخلت الصهيونية إلى مسرح السياسة العالمية، خلسة، حسب عادة أصحابها ومن الباب الخلفي، وبقيت متسترة في محافظ وحقائب بريطانيا التي رعتها وشدت أزرها حتى نفض هؤلاء عنها بعض غبار المؤامرة السرية التي احتضنتها” .

درويش: منافحًا ومجاهدًا عن فلسطين

        مما يذكر للمرحوم (محمود فهمي) أنه كان من السباقين إلى محاولة معرفة واقع الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والاطلاع على أوضاع المستوطنين، والكشف عن طبائع هذا الاستيطان ووسائل استقراره في فلسطين؛ فزار فلسطين قبل عام النكبة بسنوات وتجول في أنحائها، والتقى بكل من يستطيع أن يعرف منه أو يسمع منه ما يفيد في هذا المجال. ويقول لنا عن رحلته هذه: “كنت أتوقع مثل هذه النتائج منذ سنة 1945، يوم زرت فلسطين وتغلغلت في أوساطها، في تل أبيب، وحيفا، والقدس، والمستعمرات الصهيونية الأخرى المنتشرة هنا وهناك على طول فلسطين وعرضها، كنت أتوقع ذلك لأني شعرت بالفعالية الكبرى والنشاط الجم والتجمع والتعاون والتدريب والنظام العسكري الذي كان يعم جميع اليهود سواء منهم الكهل أو الفتى الطفل ذكرًا كان أو أنثى” .

        وعندما قررت إدارة الاحتلال البريطاني مغادرة فلسطين في شهر أيار (1947م)، واستحكمت نذر الخطر الصهيوني؛ بادر (درويش) للقيام بواجبه، وشارك بفعالية مع نخبة من علماء العراق ومثقفيه ورجاله البارزين، في تأسيس (جمعية إنقاذ فلسطين) في بغداد؛ للعمل على إنقاذ فلسطين من الصهيونية، عن طريق جمع التبرعات، وبث الدعوة لنصرة فلسطين النشر والدعاية، وتهيئة المتطوعين وإرسالهم إلى جبهات القتال . وممن كان معه في هذه الجمعية: العلامة الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ محمد محمود الصواف، والفريق الركن حسين فوزي إبراهيم، واللواء الركن إبراهيم الراوي، والسيد عبد الرحمن خضر، والسيد إبراهيم عطار باشي والعميد الركن توفيق حسين، والعقيد طاهر محمد عارف، والعقيد عبد القادر العزاوي، والنائب جمیل الأورفلي، وغيرهم.

        وعقدت (جمعية إنقاذ فلسطين) أول اجتماعاتها في (3/11/1947م)، واختير (درويش) أمينًا عامًا (سكرتيرًا) لها بعد مدة قصيرة؛ لتنسيق أعمالها وإدارة شؤونها اليومية وهو ما قام به خير قيام وزاد على ذلك قيامه برحلتين طويلتين إلى فلسطين لتفقد الأوضاع عن قرب، والتهيئة لسفر المتطوعين العراقيين للقتال، والاطلاع على سير المعارك بنفسه، وعاد إلى بغداد وكتب تقريرًا مطولًا طبع في أكثر من (200) صفحة، مع مقدمة طويلة (38)صفحة، وقدمه للجمعية التي أوصت بطباعته وتوزيعه مجانًا، بعد أن اطلعت عليه اللجنة العسكرية فيها وأقرته وعلقت عليه ، وهو ما حصل بسرعة حيث طبع الكتاب ببغداد وانتشر كثيرًا، وأصبح وثيقة مهمة من وثائق قضية فلسطين، ومشاركة الجيوش العربية فيها وأحوال جيش الإنقاذ، وما حصل من نكبات وأسبابها والمتسبب بها، وغيرها من الأمور التي قل أن توجد في كتاب غيره.

        ويكشف درويش في مقدمة كتابه عن طبيعته التوثيقية وهدفه ومقصده الرئيس قائلًا: “لقد أكثرت من عرض الشواهد والوثائق وهو فرض علي وواجب أن أضع الحقائق ظاهرة واضحة أمام جماهير الشعوب العربية لتفتيح الأذهان والعمل على جمع الشمل وحشد القوى المبعثرة وترکیزها جميعًا نحو غرض واحد.. هو الاستمرار ومواصلة محاربة الصهيونية بأسلحة القرن العشرين “.

        ويبين (درويش) في خاتمة مقدمته هدفه الذي وضع كتابه من أجله، قائلًا: “أضع بين يدي القارئ الكریم عجالتي هذه، تذكرةً وعبرةً وتنبيهًا…! تذكرةً لأُلي الألباب، وعبرةً لمن أسكرته الصدمة ثم أخذ يصحو، وتنبيها للغافلين من الرجعيين والانهزاميين…! تقرير أفرغت فيه جهدي لأضعه بين يدي القارئ درسًا دقيقًا وبحثًا مستفيضًا نتلمس من صراحته مواطن ضعفنا لندرأ عنا سوء المغبة في حربنا الطويلة وسأواصل البحث والتدقيق والنشر لأن جمعيتنا، إنقاذ فلسطين، في بغداد التي نلت شرف الثقة من أعضاء هیأتها التنفيذية العليا فأوفدتني إلى فلسطين لمرتين بصفتي سكرتيرها العام لدرس الحال هناك أثناء شبوب المعارك؛ فوفقت لأن أضع بين يدي رئيس الجمعية وأعضاء هيأتها العليا تقريري هذا الذي صوَّرت فيه كل ما أمكنني تصويره بصراحة وصدق، ليبقى خالدًا لأبنائنا الذين سيقع على كاهلهم إنقاذ فلسطين والبلاد العربية” .

        ويزيد قائلًا: “ولا أقول إنني بحثت في تقریري هذا كل ما يلزم بحثه فهو جزء من أجزاء أحتفظ بها إلى الوقت فليس كل ما يعرف يقال وما لا يدرك كله لا يترك كله”. ثم يبين أن هذا الكتاب يمثل الجزء الأول مما لديه من معلومات وتفاصيل ويوميات الحرب الدائرة، ويتضمن “أعمال جیش الإنقاذ، والمآسي التي مثلت في اللد والرملة ويافا والجليل، أما الجزء التالي فيتناول البحث في النقب وما يتعلق بها”.

        ولم تقتصر جهود (درويش) على ما تقدم؛ حيث بدأ في (13/4/1948م) بتقديم حديثٍ مسلسلٍ في إذاعة بغداد بعنوان (زاوية فلسطين)؛ للتعريف بالقضية الفلسطينية، ونقل أخبار ووقائع ما يجري من معارك إلى الرأي العام، واستمر حديثه (12)، ثم توقف إثر سقوطه مريضًا؛ نتيجة الجهد الكبير الذي بذله والإعياء الذي أصابه، وأقعده في المستشفى (63) يومًا .

درويش: وخاتمة مطاف الجهاد

        توفي محمود درويش سنة (1962م)، بعد تدهور صحته في السنة التي قبلها، ولاسيما بعد الجهد الكبير الذي بذله في إعداد والإشراف على دليل الجمهورية لسنة (1960م). يقول الدكتور مصطفى جواد وقد كان قريبًا منه ومشاركًا له في إعداد الدليل: “قرر مجلس الوزراء في (6/2/1961م) أن يعاد إلى وظيفته بعد أن تتحسن صحته، التي يؤسفني أن أقول: إنه فقدها أيام انكبابه على التأليف معنا في هذا الدليل الواسع فانطفأ سراج عينه انطفاءً لم يثنه عن مواصلة العمل معنا في إنجاز وإخراج هذا الدليل” .

        رحم الله (درويش) الكاتب والباحث والمؤلف والمفكر والمصلح والعالم والمجاهد، فقد كان “رمزًا عراقيًا ناجحًا ترك بصمته في جدار المشهد العراقي المعاصر” .

Similar Posts