هبة الرحمن في تبيان معنى ذكر الرحمن

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة الأنبياء :((وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)

والمقصود بقوله تعالى :((بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ)) ثلاثة معاني:

الأول: ذكر الرحمن هو القرآن الكريم وَقد سماه اللَّهُ ذكراً كما في قوله تعالى :((ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)).

الثاني:معنى قوله تعالى :((بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ)) اي الرسول مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيكون معنى الآية وهم برسول الرحمن كافرون

ولقد سمى اللَّهُ تعالى رسوله مُحَمَّداً صلى اللَّهُ عليه وسلم :(ذكراً) كما في سورة الطلاق:(( الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10)رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ)).

فقوله تعالى :((ذِكْرًا)) منصوب على المفعولية

وقوله تعالى :((رَّسُولًا)) منصوب على البدلية

فالذكر في هذه الآية هو رسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم.

المعنى الثالث الأعمُّ والأشمل والأكمل: هو أن الذكر هو القرآن والسنة النبوية الشريفة ومنه قوله تعالى في سورة الحجر :((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)

ولقد حفظ اللَّهُ تعالى كتابه الكريم بالقرّاء من أصحاب النبي صلى اللَّهُ عليه عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان فحفظوه ودوّنوه.

والحفظ للقرآن يتمثل بحفظه من الزيادة أو النقصان أو التحريف والتغيير بألفاظه وآياته وسوره.

وأما الحفظ للرسول صلى اللَّهُ عليه وسلم فهو قسمان:

الأول: حفظ اللَّهِ تعالى لرسوله من القتل أو الاغتيال في حياته ليتم تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ونصح الأمة وإقامة الحجة على الخلق أجمعين ومنه قوله تعالى في سورة المائدة:((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)

وقد وردت الآثار عن بعض الصحابة والتابعين تشير إلى أن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يحرسه ويتعقبه بعض أصحابه فصرفهم عنه عند نزول قوله تعالى :((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)).

الثاني: حفظ سنته صلى اللَّهُ عليه وسلم بأهل الحديث الذين وقفوا بالمرصاد لكل سندٍ أو متن رواه ضعيف أو مغرض زنديق أو منافق أو كذاب ففندوا روايتهم وغربلوا ما نُسِب إلى رسول اللَّهِ فاثبتوا ما رواه الثقاة الصادقون وردوا ما رواه الكذابون الأفاكون.

من معاني الذكر

ومن معاني الذكر للكتاب والسنة هو معنى الشرف، فلقد شرَّفَ اللَّهُ تعالى البشرية بإنزال كتابه وبعثة نبيه محمد صلى اللَّهُ عليه وسلم.

والتشريف نوعان:

تشريف عام لكل المؤمنين بكتاب اللَّهِ ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم.

وتشريف خاص لرسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم، والعرب عامة، ولقريش خاصة، ولبني هاشم على الوجه الأخص، ومنه قوله تعالى في سورة الزخرف:((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)

فالتشريف الأول هو تشريف اللَّهِ تعالى لكل مسلم على وجه الأرض بهذا الدين القويم، ولهذا الكتاب المنير، وبهذا الرسول الكربم

وأما التشريف الخاص فهو لرسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ)) أن جعله اللَّهُ تعالى خاتما للأنبياء والمرسلين.

التشريف الثاني:((وَلِقَوْمِكَ)) أي العرب أن بعث خاتم الأنبياء والمرسلين عربياً منهم.

وأنزل القرآن الكريم بلغتهم، ومنه قوله تعالى في سورة الجمعة:((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)

وحرف الجرِّ “مِن” في قوله تعالى :((مِنْهُمْ)) يفيد بيان الجنس، أي رسولاً عربياً من جنسهم.

التشريف الثالث: لقريش خاصة أن بعث منهم خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا مُحَمَّدٌ  صلى اللَّهُ عليه وسلم، وجُمِعَ القرآن الكريم على لهجتهم، والتي هي في الأصل لهجة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم، فإن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه حينما اختلفت قراءات القبائل العربية تبعا لاختلاف لهجاتهم  جمع العرب كلهم على لهجة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهي لهجة قريش والتي تُعَدُ اللهجة الامَّ لجميع لهجات القبائل العربية، واستنسخه ووزعه على كل الأمصار  التي اعتمدت المصحف الجامع لأمير المؤمنين سيدنا عثمان رضي الله عنه وأرضاه على لهجة قريش.

التشريف الرابع: لبني هاشم على وجهٍ أَخص وكل ذلك بفضل اللَّهِ واصطفائه لمن يشاء بفضله وكرمه وإحسانه أن جعل منهم سيد الأنبياء والمرسلين مُحَمَّداً صلى اللَّهُ عليه وسلم، ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ.) رواه الإمام مسلم في صحيحه.

Similar Posts