(حَرِيصٌ عَلَيْكُم) صلى الله عليه وسلم

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

وهو وصف من أوصاف النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم، ورد في سورة التوبة الآية 128 فلقد كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أحرص الناس على أصحابه من الضلال والزيغ عن كتاب اللَّهِ تعالى وسنة رسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم، وأن لا يلتفتوا إلى كل من يخالفهما، ولذلك حَرِصَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم على تحصين أصحابه من هذا الضلال وأن يتسلَّحوا بكتاب اللَّهِ تعالى وسنة نبيه صلى اللَّهُ عليه وسلم فهي كفاية لهم في طلب العلم والحكمة والمعرفة.

ومن ذلك ما روى الحافظُ ابنُ كثير عن جابر بن عبد اللَّهِ رضي اللَّهُ عنه: أنَّ أمير المؤمنين سيدنا عمرَ بنَ الخطابِ رضي اللَّهُ عنه أتى النبيَّ ﷺ بكتابٍ أصابه من بعضِ أهلِ الكتابِ فقرأه على النبيِّ ﷺ قال فغضب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال:( أتَتَهوَّكون فيها يا ابنَ الخطابِ والذي نفسي بيدِه لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيَّةً لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبرونكم بحقٍّ فتكذبونَه أو بباطلٍ فتُصدِّقونه والذي نفسي بيدِه لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسِعَه إلا أن يَتبَعني).

البداية والنهاية ١‏/١٨٥

وفي هذا الحديث جملة من المسائل:

الأولى: إتيانُ سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللَّهُ عنه بالكتاب الذي وقع بيده من علوم أهل الكتاب للنبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم ظَنَّاً منه أن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سوف يبارك له فعلَه ذاك باعتبار أنه من جنس الثقافة العامة التي لا بأس من الاستزادة منها فوق ما جاء به الكتابُ والسُنَّة.

الثانية: غضبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على قراءة سيدنا عمر لذلك الكتاب بين يديه وذلك لأن هذه القراءة لكتاب غير كتاب الله والسنة هو من جنس التقديم بين يديْ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذا منهيٌّ عنه في نصِّ قولِه تعالى في سورة الحجرات:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)).

الثالثة: غَضِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليس لأنَّ سيدَنا عمرَ الفاروقَ رضي الله عنه يريد الاِطلاعَ على الثقافاتِ الأخرى وإنما غَضِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بسبب أنَّ هذا الكتابَ هو كتابٌ سماويٌّ مُحَرَّفٌ، وفيه حقٌّ وفيه باطل، فيُخّشى على المسلم أن يُصَدِّقَ باطلاً فيه؛ أو أن يُكَذِّبَ حَقّاً فيه، وإلى هذا أشار النبي صل اللَّهُ عليه وسلم بقوله:(لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبرونكم بحقٍّ فتكذبونَه أو بباطلٍ فتُصدِّقونه).

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم بشأن أهل الكتاب:(لا تُصدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم) رواه البخاري في صحيحه.

وسببُ عدمِ التصديقِ أو التكذيبِ ما ذكرهُ البخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:”كانَ أهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَهَا بالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولوا: {آمَنَّا باللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنَا}.

وفي ذلك دليل على أَنَّ الكتبَ المترجمةَ من اللغات الأخرى يجب ألا تُصدَّقَ أو تُكَذَّبَ إلّا من بعد أن تُعرَض على أهل الاختصاص في تلك اللغات ليتَبَيَّنَ كَذِبُها مِن صِدقِها.

الرابعة: إنَّ غضَبَ النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُتَعَلِّقٌ بالعلوم الدينية، وأما ما كان من العلوم الدنيوية فهذا ليس داخلاً في النهي المقصود.

فيمكنُ للمسلم أن يطَّلِعَ على كتب غير المسلمين في علوم الطب والهندسة والذرَّة والكيمياء والفيزياء وعلوم الفلك وغيرها من العلوم الإنسانية والحياتية.

الخامسة: معنى قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(أتَتَهوَّكون فيها)

والتَّهَوُّكُ هو التَّحَيُّرُ في طلب الحق.

فسؤالُ النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم هو استفهامٌ استِنكاريٌّ أن يتحيَّرَ أحدٌ في طلب الحقِّ من غيرِ مَظانِّهِ مع وجود النبيِّ صلى الله عليه وسلم بين ظِهرانيهِم.

السادسة: قوله عليه الصلاة والسلام :(والذي نفسي بيدِه لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيَّةً)).

والبيضاءُ النقيَّةُ هيَ سُنَّتُهُ وشِرْعَتهُ ومنهاجهُ وَهَديُه بأَبي هو وأُمي ونفسي وولدي عليه أفضل الصلاةِ وأتمُّ التسليم.

والبيضاءُ هي الشِرعةُ التي لا يشوبها ظلام الزيغ والانحراف والضلالة؛ بل هي شِرعةُ نورٍ وضياءٍ كما قال عليه الصلاة والسلام:(تَرَكتُكُم على المَحَجَّةِ البيضاء ليلُها كنهارِها لا يزيغ عنها إلا هالك) رواه الإمام أحمد وغيره.

والنَقِيَّةُ هي الصافيةُ الرَقراقةُ الواضحةُ التي لا يشوبُ الحقَّ الذي فيها باطلٌ؛ ولا يُعَكِّرُ صفوَ عَدلِها ظلمٌ.

السابعة: قولُه عليه الصلاة والسلام :(والذي نفسي بيدِه لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسِعَه إلا أن يَتبَعني).

وهذا أصلٌ أَصيلٌ ذكره الله تعالى في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة آل عمران :((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(81)) .

فالنبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم أراد بهذا الإنكار الشديد على سيدنا عمر أن يُبيِّن الحقيقةَ الناصعةَ الصارخةَ بكل الأجيال إلى يوم القيامة وهي أن القدوة الوحيدة في هذه الدنيا هو سيدُنا وإمامُنا مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم، فإذا أمرَ اللَّهُ تعالى الأنبياءَ والمرسلين بالإيمان به ونُصرَتِهِ فغيرُهم ممَّن هو دونهم من بابٍ أولى.

اللَّهُمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيب قلوبنا وقرًّةِ أَعيُنِنا أبي القاسمِ مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

Similar Posts