مسائل في دعاء السجود
الشيخ عبد المنعم البدراني
عن عائشة أم المؤمنين رضي اللَّهُ عنها وأرضاها أنّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقولُ: في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ
رواه الإمام مسلم في صحيحه وغيره.
الأولى :قولها رضي اللَّهُ عنها وأرضاها :”كانَ يقولُ: في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ” وفيه دليل على أن هذا القول من أذكار الركوع والسجود فيستحب الدعاد به فيهما.
الثانية:قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ) وهما صيغتا مبالغة على زنة فُعُّول والمقصود بهما المبالغة في وصف اللَّهِ تعالى بالتسبيح والتقديس، أي أنه مُسَبَّحٌ ومُقَدَّس،ومنه قوله تعالى في سورة الجمعة :((يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) فلا شيء في الوجود إلا ويسبح بحمد ربه ويُقَدِّسُهُ سبحانه، والتقديس بمعنى تنزيه اللَّهِ تعالى من كل نقص ومن كل عيب يُتَّصفُ به خلقُهُ.
الثالثة: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:( رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ).
والروح له معانٍ عديدة عند أهل العلم، فمنهم من قال :الروح أي الأرواح التي خلقها الله تعالى كأرواح بني آدم وغيرهم.
ومنهم من قال :الروح هو ملك من الملائكة اسمه الروح.
ومنهم من قال :إنه جبريل عليه السلام.
والراجح عندي هو القول الثالث، ألا وهو جبريل عليه السلام لأن اللَّهَ تعالى قد سماه روحاً في كتابه العزيز، ومنه قوله تعالى في سورة الشعراء :((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)) والمنزَّل هو القرآن الكريم والروح نزل به على رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو جبريل عليه السلام.
ومنه قوله تعالى في سورة مريم:((فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) والمرسَلُ إليه هو مريم عليه السلام والروح الذي أُرسل إليها هو جبريل عليه السلام
فيكون قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:( رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ)) هو من باب عطف الخاص على العام، وذكر سيدنا جبريل عليه السلام بعد ذكر الملائكة هو من باب تبيان مكانته الخاصة عند اللَّهِ تعالى، فهو سيد الملائكة أجمعين، ومنه قوله تعالى في سورة التكوير :((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)
وهذه الأوصاف كلها لسيدنا جبريل عليه السلام
1-رسول كريم
2-ذي قوة
3-عند ذي العرش مكين، أي له مكانة مرموقة عند اللَّهِ تعالى
4-مطاع ثَمَّ
والحرف :((ثَمَّ)) هو اسم إشارة بمعنى هناك أي مطاع هناك في الملأ الأعلى
5-أمين فهو المؤتمن على الوحي والرسالة الى جميع الأنبياء والمرسلين وأولهم آدم عليه السلام، وخاتمهم مُحَمَّدٌ صلوات ربي وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.
فائدة
قوله تعالى في سورة الزخرف :((وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58).
وقوله تعالى:((خَصِمُونَ)) جمع خَصِم وهو المجادل والمنازع بالباطل؛، وهو وصف في موضع الذَم، وهو حكم عام يشمل كلَّ منازع للحق وأهله، والمجادلة بالباطل ليدحض الحق وأهله، نصرةً لنفسه أو حزبه أو شيخه أو جماعته، وهو في المسلم نوعُ نفاق، ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم في وصف المنافق :(وإذا خاصم فجر)رواه الشيخان وغيرهما.
والفجور في الخصومة هو الجدال بالباطل لنصرة نفسه أو حزبه أو جماعته أو شيخه، ويتبع ذلك طعن في المخالف وتسقيطه والافتراء عليه والتشهير به وتنفير العامة والخاصة منه.
وما أكثرهم اليوم، فلقد فتن إبليس- نعوذ بالله منه-كثيرًا من المتدينين ففجروا مع من يخالفهم، وربما يكون لهم شيخاً في يوم من الأيام.
فجمع المخاصم بالباطل ظلمات بعضها فوق بعض:
نفاق ونصرة الباطل تحزباً وتعصبا،
وظلم المخالف بالنيل من عرضه وسمعته و مكانته،
وقلة أدب مع من علَّمهم،
وانتفاء الوفاء عنه لمن كان له فضل عليه بعد اللَّهِ تعالى في يوم من الأيام.