الوفاء وإحقاق الحق من صفات الله تعالى ورسوله والأولياء
بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله صلى الله عليه وسلم مخاطباً رَبَّهُ جلَّ في عُلاه:(أنتَ أهلُ الوفاء والحق) جزء من حديث رواه أبو داود وغيره وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الفتوحات الربانية.قلتُ: ما أعظم ما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ به وهما صفتان جامعتان لكل صفات الكمال والمجد والحمد والجمال والجلال والبهاء.وأوَّلها: الوفاء وهي صفة كريمة وجميلة ودالّةٌ على الطيبة والرفعة والسموِّ والفضيلة. فالوفيُّ صادق ومخلص وذو أنفة ورفعةٍ عن اللؤم والدناءة وسوء الطبع والخلق وخوارم المروءة. والله تعالى منزَّهٌ عن ذاك كله جلَّ وعلا فهو الغني بذاته عن جميع خلقه سبحانه، وجميع خلقه بحاجة إليه سبحانه. ومع غناه عن كل خلقه سبحانه تراه وفياً مع خلقه فيما يَعِدُ ويقول، فهو جلَّ وعلا منزَّهٌ عن إخلاف الوعد وعن الخيانة وعن اللؤم وعن الكذب وعن المراوغة. فما يَعِدُ به لا يخلفه. وما يقوله فهو حق لا مِرْيَةَ فيه. ولا يقابل وفاء خلقه له باللؤم حاشاهولا يخون أمانة عبده عنده ولا يضيعها. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :((أستودِعُكَ اللهَ الذي لا يُضيِّعُ ودائِعَهُ) ذكره السيوطي في الجامع الصغير وحسَّنه. ولذلك وصف الله تعالى نفسه بالوفاء في كتابه كما قال الله تعالى في سورة التوبة:((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111). وقوله تعالى في سورة الفتح:((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10). وفي الوقت نفسه عَظَّم الله تعالى أمر المخادعة و الخيانة والغدر واللؤم ونكران الجميل ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال :((وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62). وقال تعالى في سورة الأنفال :((وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَليِمٌ حَكِيِمٌ(71)). وذم الله تعالى الخونة فقال في سورة الحج:(( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) قال أيضا في سورة النساء :((وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الخيانة من صفات المنافقين فقال صلى الله عليه وسلم في آيات المنافق: (أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر رواه الشيخان.وفي لفظ آخر :(وإذا اؤتمن خان). وَلِعِظَمِ الخيانة عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلقد استُثْنِيَتْ من القصاص بالمثل ومقابلتها بالخيانة فقال صلى الله عليه وسلم :(ولا تَخُنْ مَن خانَك) رواه الإمام أحمد وغيره أي استرجع حقك بالطرق الشرعية كالقضاء وغيره، ولا تقابل الخيانة بالخيانة لأنها من ذميم الأخلاق وسوئها وأَرذلها ولا تليق بالمسلم البتة، وإن كانت على سبيل القصاص والمقابلة بالمثل والجزاء. الوفاء وإحقاق الحق من صفات الله ورسوله والأولياء الجزء الثاني:قوله صلى الله عليه وسلم مخاطباً رَبَّهُ جلَّ في عُلاه:(أنتَ أهلُ الوفاء والحق) جزء من حديث رواه أبو داود وغيره وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الفتوحات الربانية. وفي هذا الجزء يصف النبي صلى الله عليه وسلم يصف ربه جل وعلا بأنه أهل للحق.فالله تعالى هو الحق كما قال جل وعلا في سورة الحج:((ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقِّ)) ومن أسمائه الحق جل وعلاوحكمه حقوشرعه حق، ورسله حق، ولا يقبل الله من عباده غير الحقفما كان باطلا فهو مردود عند الله ومرفوض،فالدين كله حق لا باطل فيه من أي وجه من الوجوه. وكذلك رسوله صلى الله عليه و سلم لا ينطق إلا بالحق ولا يأمر إلا بالحق، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله إني لأكتب عنك كلَّ شيء. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :(أكتب يا عبد الله فو الله لا يخرج منه إلا حقا) وأشار إلى فمه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه. رواه الإمام أحمد في مسنده. فعلى المسلم أن لا يعتقد عقيدة إلا عقيدة الإسلام التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان وأن لا يقول إلا حقا.وأن لا يفعل إلا حقاوأن لا ينصر إلا الحقولا يوالي إلا أهل الحقولا يدافع إلا عن أهل الحقولا يعادي إلا أهل الباطل:((ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) سورة الحج