إصغاء السمع إلى أعظم أنواع الجمع (القرآن الكريم والسنَّة النبوية)

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

في السطور التالية تبويب وتلخيص بعد دراسة وتمحيص لأنواع الجمع التي تتابعت على القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.الجزء الأولوالجمع المقصود هنا هو الجمع للكتاب والسنةأولاً: جمع القرآن الكريم وأعظم وارفع وأطهر جمع لكتاب الله تعالى هو ما سطره الله تعالى في اللوح المحفوظ قال الله تعالى في سورة البروج: ((بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21)فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)واللوح المحفوظ هو ما خط الله به كل شيء حتى تقوم الساعة بقلم القدرة الإلهية كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شيء حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.)فكان مما سطَّرَ الله تعالى فيه كتابه المجيد فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم تنزّل القرآن المجيد عليه مفرَّقاً على ثلاث وعشرين سنةوالقرآن المجيد له نزولان الأول: نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة وهو في السماء الأولى النزول الثاني: من بيت العزة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنَجَّمَاً أي مُفَرَّقاً نزل به جبريل عليه السلام في ثلاث وعشرين سنة، راجع الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.الجزء الثانيأولا: جمع القرآنالجمع الثانيوهو الجمع المطهر والمبجل والمجلل بالهيبة والوقار ألا وهو جمع القرآن في صدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه في قلبه وفؤاده وعقله مع عصمة ربانية لإتقانه وعدم نسيانه وتفلته منهقال الله تعالى في سورة القيامة:((لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)وسبب نزول هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرك لسانه إذا قرأ عليه جبريل عليه السلام القرآن خشية أن ينساه او يتفلت منه فنهاه الله تعالى عن ذلك بقوله:((لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)وتعهد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأمرين: الأول: الجمع للقرآن في صدره الشريف وعصمة حافظته من نسيانه أو تفلته كما في قوله: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)الثاني:تبيان أحكامه وشرحه وتفصيله للنبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي الذي سوف ينزل عليه بالسُنَّة الشارحة له والمفسرة والمبينة لأحكامه كما في قوله تعالى: ((ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)فتمت نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنةفصلوات ربي وسلامه عليه حتى تقوم الساعةأولاً: جمع القرآن الجزء الثالثوهو الجمع الذي جعله الله سبباً من أسباب حفظ القرآن الكريم من الضياع مصداقا لقوله تتعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9))) سورة الحِجْرهذا الجمع المبارك الأول كان على يد سيدنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصدِّيق أمطر الله عليه سحائب رضوانه إلى يوم القيامة والدين.فلقد واجه الصدِّيق أخطر موجة ردّة عرفتها العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لزاماً على الصدِّيق ومن معه من الصحابة مجابهتُهم وقتالُ المصرِّين والمعاندين منهم والمكابرين بعد إقامة الحجة عليهم.وهذا القتال للمرتدين أودى بحياة كثير من الحُفّاظ والقرّاء لكتاب الله تعالى فخشى جمع من الصحابة وعلى رأسهم سيدنا أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقترحوا على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع القرآن خوفا من ضياعه بعد أن استحرَّ القتل وتفشّى في صفوف القرّاء.وبعد مداولة الأمر ومناقشته شرح الله صدر الصدِّيق إلى جمعه في كتاب واحد وهذا الجمع هو أول جمعٍ للقرآن الكريم في تاريخ الإسلامفرضي الله عن الصدِّيق ومن معه من الصحابة على هذا الجمع المبارك وجزاهم عن الأمة الإسلامية خير الجزاءالجزء الرابعوهو الجمع المبارك الذي قام به أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاهوكان الدافع لهذا الجمع هو اختلاف القبائل العربية في قراءة القرآن بسبب اختلاف لهجاتهم التي تتضمن معاني متنوعة ومترادفة للكلمة الواحدة فأخذت كل قبيلة تقرأ القرآن بمفرداتها التي تختلف عن مفردات غيرها فوقع النزاع والخلاف بسبب ذلك. فاشتكى الناس هذا الأمر الخطير لأمير المؤمنين فأمر بجمع القرآن على لهجة واحدة هي أم اللهجات كلها ويفهمها القاصي والدانيفوقع الاختيار على لهجة قريش فهي لهجة النبي صلى الله عليه وسلم التي يفهمها كل العرب على شتى اختلاف لهجاتهم.وبدأ الحفاظ والقراء المتقنون يجمعون القرآن مما سمعه الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أشهر رواية للقرآن هي رواية سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي التي نقلها عنه أبو عبد الرحمن السلمي ونقلها عنه عاصم ونقلها عن عاصم حفص وهي الرواية القرشية لمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه والتي يقرأ بها اليوم أكثر من مليار ونصف المليار مسلم على وجه المعمورة. فرضي الله عن سيدنا أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعن جميع الصحابة الذين جمعوا القرآن وحفظوه بحفظ الله تعالى له. ثانياً: جمع السُنَّة النبوية المطهرةالجزء الاول:وهو الجمع الذي جمعه الله تعالى في روح النبي صلى الله عليه وسلم ونزّه لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من العبث واللغو والهوى كما قال الله تعالى في سورة النجم: (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5)وشديد القوى هو جبريل عليه الصلاة والسلاموفي الحديث الصحيح يقول النبي لعبد الله بن عمرو بن العاص:(اكتب يا عبد الله فوالله لا يخرج منه إلا حقّاً) وأشار إلى فمه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه رواه الإمام أحمد وأبو داودوحفظ الله رسوله من تقوُّل الشياطين أو الزيادة على الوحي أو النقصان منه كما قال الله تعالى في خواتم سورة الجن:((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26)إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28.فهذا الرصد من الملائكة لحماية الغيوب التي يتنزل بها الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة.فالسنة المطهرة تنزل بوحي من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي السنةالجزء الثاني:ومن أعظم أنواع الجمع للسنة هو ما أفاض الله تعالى عليهم من فضله لحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ألا وهو جمع الصحابة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم حفظا وإتقانا وعناية من الزيادة أو النقصان أو الكذب عليه صلى الله عليه وسلم فما عرفت أمة من أمم الأنبياء رعايةً لحديث نبيها وأفعاله وتقريراته وتَركيّاته مثل رعاية أصحاب للنبي صلى الله عليه وسلم لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فمنهم من كان يكتب سنته إذا كان يجيد الكتابة كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهماومنهم من كان يحفظ عن ظهر قلب مثل ابي هريرة والصديقة عائشة رضي الله عنهما ويصور حركة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث فيقول:(وكان متكئا فجلس)! وهذا يدل على الدقة في النقل قولاً وحركة! وهكذا نقل الصحابة سنة المصطفى بشكل تفصيلي لكل صغيرة وكبيرة من حركاته وسكناته صلى الله عليه وسلم وتلقفها منهم التابعون لهم بإحسان إلى من جاء بعدهم من أتباع التابعين لهم بإحسان بالأسانيد الجياد والمتصلة إلى منتهاها فكان علم الإسناد الذي خص الله تعالى بفضله ومنته أمة محمد صلى الله عليه وسلم به فما عرفت أمة هذا العلم ولا نقلت به أخبار أنبيائها ولذلك كثر الكذب والتزييف على كل الأنبياء والمرسلين من المنتسبين إليهم زورا وبهتانا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد قيّض الله له أهل الحديث وفرسانه وعلمائه وطلابه فوقفوا بالمرصاد لكل من تسول له نفسه الكذب أو البهتان على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلمفرحم الله علماء الحديث وأئمته وأعلامه الذين ذادوا عن سنة المصطفى بوجه كل وضّاع وكذّاب ومفترٍ أثيمالجزء الثالث: مرحلة التدوين. ووقع ذلك بأمر من أول مجدِّدٍ في الإسلام على رأس المائة الهجرية الأولى مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم :(إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) رواه أبو داود في سننهفكان المجدد الأول للمائة الأولى سيدنا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه كما شهد بذلك له الإمام أحمد وغيره من الأئمة وهو صاحب أول سنة في جمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب إذ أمر الإمامَ الزُهريَّ رحمه الله تعالى أن يجمع ما يمكن جمعه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصنف يُستنسخ ويُبعَث بنسخ منه إلى الأمصار ليعلم الناس سنة النبي صل الله عليه وسلم فكان هذا الفعلُ حجرَ الأساس للتأليف والتصنيف لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الغرّاء بعد ذلك.فرضي الله عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ورحم الله إمامنا الزهري على هذه السنة الحسنة المتبعة وكتب الله لهما أجرها وثوابها ما قُرئت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وما عُمِل بسنته وهديه وشرعتهالجزء الرابعوهو مرحلة التأليف والتصنيف للسنة النبوية المطهرة في الكتب مثل كتاب موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى وَمثل المسانيد كمسند الإمام أبي حنيفة ومسند الإمام الشافعي ومسند الإمام أحمد رحمهم الله تعالى ومثل المصنفات كمصنف عبد الرزاق وأبي بكر بن أبي شبيبة رحمهما الله تعالى.وأعظم كتاب جامع لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صحيح البخاري رحمه الله تعالى فلقد اتفقت الأمة على أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى ويليه صحيح مسلم رحمه الله تعالى ثم السنن الأربعة وبقية السنن والمعاجم والمستخرجات والمستدركات والأجزاء.لقد بذل أهل الحديث جهودا جبارة وكبيرة لحفظ الإرث النبوي الطاهر وتبليغه للناس كافةفجزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء ورفع الله قدرهم وأعلى شأنهم وبلّغهم أعلى الجنان وأسبغ عليهم وافر العفو والرضوان.

Similar Posts