العلم وعلماؤه

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

لم يكن ما يحدث في عصرنا هذا ليحدث في أي عصر مضى، ولم يكن ما يدور بيننا اليوم ليدور في أي مجتمع حولنا في الأرض الواسعة.

كيف؟  .. أجيبك :

في كل مصر وعصر هناك جهلة وعوام ومثقفون وطليعة ونخبة ومختصون وعلماء. هذا تصنيف اجتماعي فكري لا يختلف ولا ينقص ولا يزيد ولا يتغير في كل المجتمعات ولكل علم أو تخصص أو فن أو أدب.

في كل المجتمعات والعصور يوجد جهلة ولكنهم يتتبعون العوام أو يسألون المثقفين أو يقلدون الطليعة.

وفي كل المجتمعات والعصور يوجد عوام ولكنهم يسمعون للمثقفين أو يشخصون بأبصارهم إلى الطليعة أو يتأثرون بتوجيه النخبة أو يتعلمون من المختصين أو يستفتون العلماء.

وفي كل المجتمعات والعصور هنالك مثقفون يمهدون للطليعة وينتجون النخبة ويحترمون المختصين ويقفون عند رأي العلماء.

وفي كل ما مر من العصور ولكل من حولنا من الأمم طليعة توجه الجمهور وتعتمد على المثقفين وتناقش النخبة وتتشاور مع المختصين وتقف عند رأي الفلاسفة والعلماء.

وكذلك فهناك نخبة تحمل على عاتقها صنع الرأي العام وتصحيح أخطاء المثقفين وتأييد ودعم الطليعة وتصدير رأي العلماء والوقوف عنده.

فتكون النخبة قدوة للمثقفين ومصبًا وناشرًا لآراء المختصين ومنارًا ومعتمدًا للطليعة ومنتظرًا من العوام وذودًا عن راي العلماء.

أين الجهلة من هذا السلم التدريجي للتصنيف الاجتماعي التوجيهي؟ لا وجود لهم. لماذا؟ لأنهم جهلة. هل يزعجهم هذا الوصف في المجتمعات الحية المنضبطة؟ لا ،، فهم يقولون نحن جهلة في هذا العلم و لكننا عوام في ذاك و نطمع أن نكون مثقفين مع الطلب و الجد و لدينا طليعة نتبعها هي أقرب و أعلم منا بما يقوله المثقفون و ما تريده النخبة و ما يقرره المختصون و ما يفتي به العلماء. الذين هم أعلى الهرم الاجتماعي التوجيهي البنائي، أو ننزوي.

هذا ما درجت عليه الأمم والعصور ومنها أمتنا في عصورنا السابقة. إلا عصرنا الحاضر وأمتنا المعاصرة، فجهلتها لا يتحرجون من مماحكة مثقفيها، وعوامها لا تتردد في مجادلة مختصيها، بل ولا يتوانى أي من الطبقات الست الأخرى أو الطبقتين الدنيا “فكريا وعلميا” عن مناطحة طبقة العلماء وربما التطاول عليهم بحجة (إنهم رجال ونحن رجال) و (حرية الفكر والتعبير) و (فوق كل ذي علم عليم).

نعم نحن رجال وهم رجال ولكن في (البايولوجي والجينات) صح، أما في العقل والعلم والتحصيل فلا، لكل رجل مقام لا يقاس به رجل آخر. فمن لم يعرف حجمه وحده فقد جعل من نفسه سخرية تكشفها المناظرات والمحاورات والاستنباطات والتحليلات والنتاجات.

نعم حرية الفكر والتعبير ولكن الفكر المنضبط المستند والتعبير النافع الجامع، فمن هذر وخرف ويظن أن هذا تعبير فقد وضع نفسه في موضع اللوم.

فلكل علم علماؤه، لأنه علم ،، هل نعلم معنى علم! علم و صاحبه هو (ذو علم) و هي أعلى الرتب، العلم له أصوله و مصادره و شيوخه و أساتذته و مختصوه و مدارسه و مناهجه و أسراره و عوائقه و كلياته و تحليلاته و تراكماته و كتبه و مقالاته و نظرياته و مناظراته و محاججاته و تأليفاته و و و…وأخيرا علماؤه ،  فيقطع الرجل كل تلك المراحل ليكون عالما، أما جميعنا ممن لم يفعل فهو إما مختص في أحسن الأحوال أو عامي يتعلم في أقلها ، أو جاهل يصمت . فهؤلاء رجال علماء (ذوو علم). (أولو علم).

نعم فوق كل ذي علم عليم، “عليم” أي أعلم منه وليس “جاهل”، ولا (عامي ولا مثقف ولا طليعة ولا نخبة ولا حتى مختص)!

“شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”

ها هم يوضعون بعد الله وملائكته في الترتيب، والواضع هو الله الذي آتاهم العلم. ورفعهم فوقنا درجات:” ‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”

فليعرف كل مكانه ومكانته لنلحق بالأمم أو نستدرك ما فاتنا من ماضي أمتنا. ولا اعتبار لرأي متنطع يحتج بإنكاره لرأي عالم أو فتواه أو قوله فهذا لا يكون إلا من عالم في مقامه وفي ميدانه، فإنكار من دونه أو من لا يعلم ليس دليلا على شيء، ويحصل هذا دون غرابة فـ:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد // وينكر الفم طعم الماء من سقم.

Similar Posts