سياحة تأصيلية في الروْحانيات والوجدانيات

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

الروْحانيات:الإسلام العظيم كله رَوْحانيات؛ فأما الروْحانيات فهي من الرَّوْح وليس من الرُوُح وهي الراحة ومنها الترويح عن النفس أي إراحتها وتخفيف العبءِ عنها. والروْح صفة من صفات الله تعالى كما قال الله تعالى على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام في سورة يوسف لأبنائه:((يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)أوصاهم يعقوب عليه السلام أن لا يقنطوا من ترويح الله تعالى عنهم الضيق والبلاء بسبب فقدان ابنيْه يوسف عليه السلام وأخيه. وجعل الله الرَّوْح مصيرَ المُقَرَّبين منه جل وعلا كما قال الله تعالى :((فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) الواقعةأي راحة وسعادة وحبور وفرح وسرور. وهذا الروْح يمكن أن يتحقق للمسلم دائما وذلك إذا عاش في أفياء القرآن الكريم وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى والدين فإن في سِيَرِ الأنبياء والمرسلين والصحابة والصالحين من الدروس والعبر ما يروِّح المسلم عن نفسه ضنكَ العيش وضيقَ الصدر وهمومَ الدنياوهناك ما يعرف بالروْحانيات البدعية:وهي طرق ووسائل غير شرعية تُعتمد عند بعض المسلمين للترويح عن النفس ومن ذاك مجالس خاصة يعقدونها ويسمونها روابط شريفة يعمُّ هذه المجالس صمت شديد ويستحضر كل واحد منهم روح شيخه فيهتَزُّ ويصرخ بحجة حضور روح شيخه!وروح شيخه تربطه بروح شيخ شيخه إلى أن ترتبط أرواحهم بروح النبي صلى الله عليه وسلم وحينها ترتفع أصواتهم بالصراخ والعويل والهيجان! وهذه هي التي يسمونها “بالرابطة الشريفة” هي بدعة قبيحة ومحدثٌ في الدين ما أنزل الله به من سلطان. هذه روْحانيات شيطانية وليست رحمانيةإنما الروْحانية الشرعية هي في تدبر آيات الله والعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَذَكُّرِ سيرة الأولين من الأنبياء والمرسلين والصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان. وكذلك الاعتبار بقصص الأولين كما قال الله تعالى في سورة يوسف :((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111). أمّا أن نُحدِثَ طُرُقاً ما أنزل الله بها من سلطان بحجة الترويح عن النفس فهذا ضلال وزيغ وانحراف عن جادة الصواب والسنة:((فاعتبروا يا أولي الأبصار)).وبعد أن تكلمنا عن نوعيْ الروْحانيات السُنِّية والبدعية، سوف نتكلم إن شاء الله تعالى عن نوعيْ الوجدانيات السُنِّية والبدعية أيضا. فأما الوجدانيات السُنِّية والشرعية فهي ما يجده المسلم من حلاوة الإيمان والتلذذ به والاستمتاع بجماله وحسنه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:(ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) رواية الإمام مسلم في صحيحهوهذه الأسباب الثلاثة المذكورة في الحديث هي التي تجعل الإنسان في حالة وجدانية راقية وهو يتحسس حلاوة الإيمان في قلبه وحاسة تذوقه وجوارحه. ومن أسباب الوجد في الإسلام أن يتفكر الإنسان بالآخرة وما فيها من نعيم مقيم وجنة عرضها السموات والأرض وفيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وأصحابه الغر الميامين وعلى رأسهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. وفوق هذا ما يجده المسلم من لذة وسعادة وحبور وهو يتفكر في اللحظة التي يكشف الله تعالى الحجاب عن وجهه الكريم فينظر المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى فلا يبقى غيب بعد ذلك مخفي عنه إذ بلغ مرتبة عين اليقين الذي يسوقه إلى حق اليقين، فسبحان الله رب العرش العظيم.وأما الوجدانيات البدعية فهي الرقص والارتجاف إذا ما ذُكِرَ أحد الأولياء والصالحين أو آل بيت رسول الله الأطهار رضي الله عنهم أجمعين ثم يقوم أحدهم بلطم رأسه بيديه أو في الجدار أو في الأرض ثم يُرعد ويُزبد ويعلو صراخه وعويله وربما يتلفظ بألفاظ كفرية واستغاثات شركية بالموتى والمقبورين والغائبين بحجة الوجد وهذا والله ما أنزل الله به من سلطان ولم نعهده عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أهل العلم والفضل والدين.

Similar Posts