توجيه أهل الأصول في تبيان دور العقول

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة يونس :((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)وهذا توصيف للمشركين والكفار وأهل البدع والأهواء وتبيان لدينهم الذي يُبنى على الظنيات وليس على القطعيات. والظنيات نوعان:ظنيات نصية: وهو إتِّباع ما تشابه من النصوص الكتابية والسنية ذات الدلالات الظنية حمّالة الوجوه والفهوم والتصورات وقد ذم الله تعالى هذا الصنف من الناس كما قال في سورة آل عمران :((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)فالآيات المتشابهات هي الآيات ذات الدلالة الظنية فالذي في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منها ابتغاء الفتنة في الدين وابتغاء معرفة حقيقة هذا المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم على حدِّ من يقف على كلمة:((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) وهو معنى صحيح مبني على أن الراسخين في العلم قد فتح الله عليهم معرفة ذلك المتشابه وإنما أنكر الله تعالى على الذين في قلوبهم مرض وزيغ وهوى من العامة وأنصافِ المتعلمين والمتعالمين أن يخوضوا في المتشابه بغير علم ولا هدىً ولا كتابٍ منير..وهكذا كانت بضاعةُ أهل البدع والزيغ والاهواء إتِّباعَ الظن من النصوص وعدم عرضها على القطعيات. وكذلك بضاعتهم اتباع المتشابهات وعدم عرضها على المحكمات.النوع الثاني من الظنيات هي الظنيات العقلية التي لا تستند إلى قواعد الدين وضوابط الشرع الحنيف.وبذلك انحرفت عقول الفلاسفة وعلماء المنطق وعلماء الكلام وهذه الثلاثة هي من العلوم المحدثة في الدين وقد استقت أصولها وقواعدها من الفلسفات اليونانية والرومانية والهندية والفارسية فأقحمت في الدين ما ليس منه ادِّعاءً انه منه، فريةً وكذباً على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.والشرع لم يُهمل العقل ودوره في الفهم والتصور والاعتقاد، ولكن الشرع يحترم العقل الذي يحترم صاحبُه نفسَه ويحترم عقول الآخرين فيما يعتنق ويعتقد ويتصور، وسبيل هذا الاحترام للعقل أن يكون منضبطاً بقواعد الدين وأصوله القطعية والمحكمة وأن يَرُدَّ العقلُ إليها كلَّ ظني ومتشابه وبذلك يجمع العقل بين اعتناق المحكمات والقطعيات وفهم الظنيات فهما سليما وذلك بارتكازه إلى تلك القطعيات وتلك المحكمات. أما إطلاق العنان للعقول بأن تعيث في الأرض فسادً وعبثاً بقواعد الدين واصوله وضوابطه بحجة دور العقل وأهميته كونه مناط التكليف فهذا والله هو عين الخلل والخطل والسفه الذي يؤدي بصاحبه إلى الضلال والحيرة والانحراف عن جادة الصواب كما وقع لكثير ممن يدعون العقلانية وما هم إلا مجموعة سفهاء ضالين ومضلين.

Similar Posts