اتهموا الرأي على الدين
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
يظن بعض الناس أنه على شيء وينظِّر بهواه ويحسبه رأيًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام يخبر عن الزمان الذي يقتل بعض المسلمين بعضا، فعجب الصحابة وسألوه: “وعقولنا عندنا يا رسول الله؟ قال لا، تنزع عقول أهل ذلك الزمان ويخلف لهم هباء. وزماننا هذا غير كل زمان فقد زاد أهل الضلال وأتباع الرأي والهوى، وقد نُزعت فيه عقول بعض الناس وخلف لها هباء لكل “غر ومراهق ورويبضة وجهلة الشهادات”.نعم منهج الإسلام يحث على الاستقلال في التفكر، ويذم التقليد الأعمى أو اتباع الآباء والأهواء دون تمحيص وتبين. ولكنه جعل لذلك حدًا ووازنه بمعيار يفرق بين الرأي المعتبر المتسق مع أحكام الله ومراده من شرعه وسماه (الاجتهاد) وأعطى أجرًا حتى للمخطئ فيه، وبين المشتهي والمبتدع والمتكلم دون علم أو إجازة أو مؤهلات توسعت شروطها وعلاماتها وضوابطها عند أهل العلم حتى تضيقت واقتصرت على ما يمكن أن يشكل نفرا قليلًا في كل أمة أو جيل.وكل ذلك وضعت له أصول ومقدمات تلزم أصحابها وتمنعهم أن يكون مصدرهم العقل المجرد أو أن تكون غايتهم الهوى أو العصبية والشهرة على حساب شرع الله الحق ومراده.فالخطر في عصر تدفق المعلومات هذا وإتاحتها لكل متصفح بضغطة زر هو فيما لو أعمل الإنسان رأيه ليخرج بنتائج بنيت على مقدمات ذاتية تشذ عن قواعد الشريعة المستقرة، وتتخذ نزغات النفس والهوى منهجا، تلك التي تسول لنفس الإنسان ان لا يتقبل شرع الله وعقيدته بالرضا والتسليم. ومن أعظم ما امتدح به إبراهيم عليه الصلاة والسلام قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ جملة واحدة وتسليم ، وقد سبق وصف تسليمه هذا بإعطائه عظيم مكانته وكأنما هو تعليل لها أو توثيق فقال قبلها :”وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ”فالرأي المجرد -أو المبرر بما لا يدعم يقينا مهلكة لصاحبه ولمن اتبعه.وقد قال أبو الزناد: “إن السنن لا تخاصم ولا ينبغي لها أن تُتبع بالرأي والتفكير ولو فعل الإنسان ذلك لم يمضِ يوم إلا وانتقل من دين إلى دين، ولكن ينبغي للسنن أن تُلزم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه”. وكانت حجة أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه في التسليم والاتباع دون إشغال الرأي أن “لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره”وعن أمير المؤمنين عمر رضوان الله عليه حين اعترض على قبول المسلمين بشرط رد من جاء إليهم في الصلح من قريش قال « لقد رأيتني يوم أبي جندل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدلي برأيي اجتهادًا إليه، ما آلو عن الحق، والكتاب يكتب بين يديه فقال: (اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل بن عمرو: (إذن قد صدقناك بما تقول، ولكنا نكتب كما نكتب: باسمك اللهم)، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت عليهم، حتى قال لي رسول الله: “ترى أني قد رضيتُ وتأبى! فرضيت»وهذا ليس فقهًا بل هو أمر بالانصياع والتسليم إذا رأى الإنسان رأيه لا يقبل أمر الله البين أو يرغب أن يناقشه، فكم وجد بعضنا في نفسه من إصابة في الرأي فصدق أنه على الحق بل وجادل في ذلك وأصر، بل ويعجب من رأي غيره وتمسكه به، أولا يظن أن غيره يشعر مثل ما يشعر تجاه رأيه؟ بلى هو كذلك. لذا وضعت في التخصصات معايير يلجأ الناس إلى أهلها ومؤهليها، فلا يقول كل مشته بما يحب. وقد يتصادم المتخصصان برأي ولا غرابة ولا باس أن يتبع كل رأيه، ولكن هذا لا يصدق على الدين، فإن كان نظيرك من الناس أو قبيلك من أهل الاختصاص يخطئ وهذه مظنة دفعك لرأيه فإن الله لا يخطئ، فلا يتبع الرأي بعد الدين. ولذا كانت قاعدة علماء الإسلام من داخله أن (لا اجتهاد في موارد النص) وأن ما عارض النص ففاسد الاعتبار.فالاجتهاد، سواء كان من علماء الشريعة أو مختصي العلوم أو السياسة أو الإدارة أو غيرها يندرج تحت بندين:أحدهما اسمه (الاجتهاد المعتبر) وهو ما صدر من المختصين الذين تأهلوا بأدوات الاجتهاد وتجردوا عن الهوى والمنحرف من المقاصد، وهؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمون﴾ و ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ﴾ وهؤلاء ليس عليهم من سبيل وإن أخطأوا.والاجتهاد الآخر هو (غير المعتبر)، الذي يتصدى له من لم يكن مختصًا ولا متجردًا عن هواه أو عصبيته، وما عنده إلا الرأي المفضي إلى التخبط ثم الضلال، فهذا يُبعد وجوبا عن مواطن القرار والحكم في كل الأمور.فالفلاسفة والمفكرون اشترطوا لإبداء الرأي المعتبر شروطا، وهذا من أمور الدنيا، فكيف في أمر الدين الذي جعل الفقهاء والأصوليون لإبداء الرأي فيه القدرة على ذلك والأهلية والدعم بالأدلة والقرائن والحقائق الموثقة بالتجارب الناجحة، أو التي ثبت نفعها عند الأمم إداريا أو ماليا أو غير ذلك من الحقول.والفقهاء جعلوا من مآلات الأمور قيدا، فبعض الآراء مباح في أصله إن كان موافقا لقواعد الشريعة غير أنه أحيانا يؤول إلى مفسدة غالبة أو يفضي إليها، وهذا ينافي مقاصد الشريعة إما لعجلة أو عدم تقدير للمفاسد أو ربما بسوء المقصد، لذا جاءت قاعدة (سد الذرائع المفضية إلى المفاسد)، وتعني تحريم أمر مباح إذا أفضى إلى مفسدة ، فلم يقتل النبي المنافقين كما قتل الكفار الأقل منهم خطرا وذلك دفعاً لمفسدة الظن “أن محمداً يقتل أصحابه”، ومن طرق مراعاة مآلات الرأي هو اختيار الوقت الذي يطرح به، ومدى تعلق أهل الفساد به وهل يفهمه من أريد به على وجهه الصحيح.وأخرج البيهقي عن عمر قال: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا»،و لابن عبد البر في «بيان العلم»، وقد ساق أقوالًا كثيرة في ذم الرأي ما زبدته: «اختلف العلماء في الرأي المقصود إليه بالذم في هذه الآثار، مرفوعها وموقوفها ومقطوعها، فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد بمخالفة السنن؛ لأنهم استعملوا آراءهم وأقيستهم في رد الأحاديث، حتى طعنوا في المشهور منها الذي بلغ التواتر؛ كأحاديث الشفاعة، وأنكروا أن يخرج أحد من النار بعد أن يدخلها، وأنكروا الحوض والميزان وعذاب القبر، إلى غير ذلك من كلامهم في الصفات والعلم والنظر.” ثم أسند عن الإمام أحمد قوله: “لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل” انتهى كلامه.ويرى جمهور أهل العلم: “أن مما يذم من الرأي ما كان منه في الاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات “انتهىفالرأي في حد ذاته أغلوطة إن لم يحده ضابط، كيف لا وقد ضل الإنسان بالرأي كما رشد به. ومرجع ذلك إلى رأي الأهواء والتعصب واتباع النشأة أو ما فسد من الاعتقاد أو ما تأول به الإنسان على الله وخالف به محكم آيات رب العالمين، وحاد عن اجماع المسلمين واتبع غير سبيل المؤمنين ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾.فنحن أمة الاتباع والإيمان بالغيب الذي بينه الله لنا في رسالته لا نعمل رأينا إلا فيما يصح فيه إعمال الرأي، وقد كتب عمر إلى شريح القاضي: «انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا،”فلا نراجع أنفسنا فيما أراده الله مبينا، واتبع: “فإن لم يتبين لك من كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد فيه رأيك».وصاحب أثر حديثنا هذا هو السابق عمر الذي تذكر محاججته للنبي يوم الحديبية وكيف رأى رأي نفسه صوابًا وهو يدفع عنه بحجة يظنها بالغة فيقول للنبي الذي قبل كثيرًا من شروط الكفار:”ألسنا المسلمين، أليسوا الكافرين، فلِمَ نعطي الدنية في ديننا” وهذا رأي يبدو صوابًا دون ريب، ولكن النبي يقول له:”أنا رسول الله ” فانتبه إلى نفسه وعدل واتبع. فصار يعظ الناس بعد ذلك بالتشكيك بالرأي إن خالف دينا. فالأمر لا يكون إلا رأيا أو دينا، وكل ما صح عن النبي في أمر الدين وحي، فالنبي لا ينطق عن الهوى﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾والوحي دين، وما دونه رأي سواء كان قائله أنت أم أبا حنيفة. فإن رأيت في نفسك شكًا أو ترددًا أو ظنة بين رأيك والدين فشك برأيك وصدق دينك، فالدين من الله والرأي من عقلك الذي ينام ويجن ويخطئ ويصيب ويذهب ويعود، “فاتهموا الرأي على الدين”.