سدادُ الرأي في تبيان أنواع الوحي
الشيخ عبد المنعم البدراني
الحمد للّهِ والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن الوحي الذي نزل من اللَّهِ تعالى على خلقه أنواع عِدَّة:
أولاً: وحي النبوة وهو ما أوحى اللَّهُ تعالى به إلى أنبيائه وأولهم آدم عليه السلام ومنهم إسحق ويعقوب ويوسف وأيوب وأشباههم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وهو نوعان: وحي رسالة للملائكة الرسل، ووحي رسالة للبشر الرسل، ومنه قوله تعالى في سورة الحج :((اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)
فيوحي اللَّهُ تعالى إلى الرسل من الملائكة ما يشاء من الوحي ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال :((إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12).
وَسَيِّدُ رُسُلِ الملائكة الكرام هو سيدنا جبريلُ عليه الصلاة والسلام فهو رسول اللَّهِ تعالى إلى جميع الأنبياء والمرسلين بلا استثناء.
وأما وحي الرسالة للبشر فلقد كان لبعض الأنبياء فإنَّ كلَّ رسول نبيّ؛ وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً.
أنظر وتأمل يرحمك اللَّه.
وأولُّ الأنبياء المرسلين هو سيدنا نوحٌ عليه السلام فلقد كان أوَّلَ نبيٍّ رسول أرسله الله تعالى إلى قومه بعد أن تفشّى الشرك فيهم.
ومنهم إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وسيدنا مُحَمَّدٌ صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
ثالثاً: وحيُ الإلهام وهو الوحي الذي يُلهمُهُ الله تعالى بعضَ خَلْقِه غيرَ الأنبياء والمرسلين، ومنه قوله تعالى مخبراً عن أم موسى عليه السلام في سورة القصص:((وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
ومنه قوله تعالى مُخبراً عن وحيه للحواريين أصحاب عيسى عليه السلام في سورة المائدة:((وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
ومنه قوله تعالى في سورة النحل :((وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)
ومن السُنَّةِ المطهرة ما أخبر النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في قوله:
(لَقَدْ كَان فِيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُممِ نَاسٌ محدَّثونَ، فَإنْ يَكُ في أُمَّتي أَحَدٌ، فإنَّهُ عُمَرُ). رواه الشيخان.
والمُحَدَّث بفتح الدال اسم مفعول أي: المُلْهَم للحق والعدل والصواب وهي درجة رفيعة يَمُنُّ اللَّهُ تعالى بها على من يشاء من خلقه فكانت من نصيب سيدنا أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّهُ عنه وأرضاه، وهي المنزلة الراقية الثالثة بعد النبوة والصِدِّيقِيِّة ؛ ألا وهي مرتبة التحديث والإلهام.
وكذلك من وحي الإلهام ما فتح اللَّهُ تعالى به على أم المؤمنين خديجة رضي اللَّهُ عنها حينما نزل رسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم من غار حراء بعد لقائه سيدنا جبريل عليه السلام فقالت له الصِدِّيقَةُ خديجة كلاماً عجيباً لا يمكن أن يصدر إلا عن إلهام وفتح ربّاني حين قالت للنبي صلى اللَّهُ عليه وسلم :(واللّهِ إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة) سير أعلام النبلاء الذهبي
فمن أين علمت الصِدِّيقَةُ الكبرى أم المؤمنين خديجة أن ما حدث للنبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في غار حِراء هو من إرهاصات النبوة؟
رابعاً: وَحيُ الرؤيا وهو نوعان:
الأول:
رؤيا الأنبياء وهي حق محض من الوحي الذي يوحيه اللَّهُ تعالى لأنبيائه ومرسليه، وتصلح أن تكون شرعًا وحجة ودليلًا ومنه قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام في سورة الصافات :((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)
الثاني:
هو جزء من أجزاء النبوة يراها المؤمن أو تُرى له ومن ذلك قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(رُؤْيا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأَرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ) رواه مسلم في صحيحه
وهذه الرؤيا التي يراها المؤمن أو تُرى له هي من المبشِّرات ولا تصلح للتشريع أو أن تكون حجةً أو دليلًا على تحريم حلال أو تحليل حرام.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(ذهبت النبوةُ فلا نبوةَ بعدِي إلا المبشراتُ) قيل وما المبشراتُ قال: (الرؤيا الصالحةُ يراها الرجلُ أو تُرى له) رواه الطبراني وغيره.