جدلية الفتن وماهيتها
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
“مجابهة الباطل ونقده ليست فتنة، وإنما الفتنة مناصرته أو غضّ الطرف عنه”
يتبنى بعض المترددين أو الجهلة وأحيانا المتعمدين دورا ليس واقعيا، ظاهره خدمة المجتمع وحمايته، وحقيقته ونتيجته عكس ذلك غفلة منهم أو قصر نظر، وذلك هو دور المناداة بعدم إثارة الفتنة أو تهييجها، فيتراجع أهل الحق عن حقهم تلبية لهذا النداء السليم، أو يسكت مناهضو الباطل والانحراف متوهمين بأولوية هذا الطلب الحكيم، بينما الأمر ليس كذلك ولا يجري على هذا النحو.
فليست الفتنة في أن ينتقد المصلحون أو العقلاء باطلا أو انحرافا يضر بالمجتمع أو الدين، بل الفتنة في أن يترك أولئك المنحرفون يفعلون ما يشتهون أو ما جندوا لأجله دون رادع، فاذا رأيت من يدافع عن المخطئ أو المنحرف أو المتجاوز بداعي وأد الفتنة أو عدم إثارتها فاعلم أن هذا المتكلم أو المدعي السلم والعافية هو رأس الفتنة بل هو الفتنة بعينها سواء قصد أم لم يقصد، درى أم لم يدر، ذلك أن الفتنة ستسري بين الناس بصمت وتسير إلى هدفها بهدوء إن سكت عنها المؤثرون ومن ثم تحقق غايتها لا قدر الله.
فالفتنة لا تكون عندما يتصدى رجل مصلح أو جهة مسؤولة أو عالم أو مثقف أو خبير لقضية خاطئة أو جدلية دائرة أو تصرفات مثيرة أو مبلبلة أو منحرفة يراد لها أن تشيع وتنتشر وتصبح حقيقة مقبولة وواقعا جديدا مفروضا يجب التعايش معه اجتماعيا أو دينيا أو ثقافيا، وإنما تحصل الفتنة عندما يثار مثل هذا الانحراف المخالف للأعراف أو الدين أو القيم التي تعاهد عليها الناس أو عندما يساء لقيمة أو معتقد يهم مجموعة كبيرة من الناس في مجتمع مسالم متجانس متعايش ثم يسكت عن ذلك ويمر مفتعلها مرور الكرام أو يجد من يناصره ويسانده ويدافع عنه متمسحا بـ “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها” ،
نعم لعن الله من أيقظها فبادروا إلى وقفه ومعاقبته وصده وعزله والحؤول بينه وبين مرامه ومرام من وراءه، فهذا الذي أيقظها وأمثاله يوقظونها، فلا بد من رأي عام ومجابهة واسعة ولابد أيضا من قلع لجذور الفتنة ممن بيده الأمر أو قادر على التأثير معنويا أو فعليا قبل أن تنتشر ووأدها قبل أن تنمو وتكبر، وهذا يكون بالعودة إلى أصل من أيقظها وقطع دابره وليس بلوم من يتصدون له ويعرونه ويكشفونه ويطالبون بمحاسبته.
فلو كانت الأمور تجري بهذه الطريقة لما بنيت دول ولا تقدمت أقوام، ولو سكت الناس عن سفهاء الناس ومخربي دنياهم ومستفزي سلمهم والمعتدين على عقائدهم علنا ودون حساب، لما وصلت المجتمعات إلى الرقي ولا ساد القانون ولا عم السلم والأمن والرخاء. فألجِموا المنحرف لأنه صانع الفتنة أو المأجور لإثارتها فإن كان فعل ذلك من عنده أو للوثة في عقله أو لجهل وخرق في عقيدته فعقابه سيردع غيره ويطفئ ما تدعون أنه “فتنة توقيتها مقصود”، فإذن علاجها بترها ووقف الذين باؤوا بها، وليس لوم الذين يتصدون لها، فهؤلاء يمثلون المجتمع كله بينما يمثل المنحرفون صانعو الفتنة أو المنادون بالسكوت عنها ثلة صغيرة مأجورة أو جاهلة أو مغرورة لا ينظر إلى شأنها أمام شأن العامة والجمهور والسلم الذي هو أكبر منها وأولى وأهم.