مسائل أصولية .. ترجيح المتفق على رفعه على المختلف في رفعه
بقلم : د. محمود الكيلاني(1)
يعد مبحث التعارض والترجيح من أهم المباحث الأصولية؛ ومن أهم العوامل الرئيسة لتحقيق الغاية والثمرة للوصول إلى مقصود الشارع، كما يعد المرحلة الأخيرة في منظومة العمل الأصولي قبل تنزيل الأحكام الشرعية من الأدلة إلى واقع تصرفات المكلفين، ولا يتم ذلك إلا بعد الإلمام الكافي بمباحث أصول الفقه الأخرى لتوقفه عليها من حيث صحة توظيفه وسلامة تطبيقه، إذ يعتمد الترجيح على الأدلة الشرعية ومتعلقاتها من حيث ثبوتها ودلالاتها، كما أن له تعلقًا بالاجتهاد لاشتراكهما في الجانب التطبيقي، فكلاهما يبحث عن حلول للإشكالات المثارة والمطروحة عند النظر في المباحث الأصولية، من خلال التركيز على عمل الأصولي وكيفية دفع التعارض واستعمال المرجحات المناسبة لدليل على آخر.ولن يتم له ذلك إلا إذا قام الأصولي بدراسة هذه الأدلة المتعارضة ظاهرًا دراسة مستفيضة قائمة على أسس صحيحة يتمكن من خلالها الوصول إلى مبتغاه. وسنتناول في هذا المقال أحد طرق دفع التعارض وهي قاعدة ترجيح المتفق على رفعه على المختلف في رفعه، وهي إحدى القواعد التي تناولها العلماء بالدراسة والبحث المستفيض وبنوا عليها بعض الأحكام التي كانت سببًا في اختلافهم.مفهوم القاعدة إذا تعارض خبران وكان أحدهما مرفوعًا والآخر موقوفًا، فلا شك في تقديم المرفوع على الموقوف؛ لمزيته برفعه على الحديث الموقوف(2). قال الإمام الآمدي في القسم الأول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما: “أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفًا على الراوي، والآخر متفق على رفعه إلى النبي – عليه السلام -، فالمتفق على رفعه أولى؛ لأنه أغلب على الظن”(3). الذي يخرج على هذه القاعدة ما إذا تعارض خبران بأن يكون أحدهما منسوبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومرفوعًا إليه والآخر مختلفًا فيه فيروى تارة مرفوعًا وأخرى موقوفًا، فبعض العلماء يرى أن ذلك الحديث مرفوع وبعضهم يرى أنه موقوف. لأن ما كان مختلفًا فيه أمكن ألا يكون مرفوعًا ولا يمكن مثل ذلك فيما أجمع أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم(4). قال الإمام الغزالي فيما ترجح به الأخبار: ” أن يتطرق الخلاف إلى أحد الخبرين أنه موقوف على الراوي أو مرفوع، فالمتفق على كونه مرفوعًا أولى”(5). من أمثلة القاعدة: قراءة المأموم لفاتحة الكتابفقد روى عبادة بن الصامت رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾(6)؛ فإنه معارض بما رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿كل صَلاة لا يُقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج إلا أن يكون وراء الإمام﴾(7).وجه التعارض: أن خبر عبادة بن الصامت رضي الله عنه أوجب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، وخبر جابر رضي الله عنه لم يوجبها وراء الإمام، فالحكمان في الخبرين متعارضان؛ لاختلافهما. وجه الترجيح: رجح أغلب العلماء خبر عبادة رضي الله عنه؛ لاتفاقهم على رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما خبر جابر رضي الله عنه فإنه موقوف( 8 ).الأثر الفقهي: اختلف الفقهاء في تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة على أقوال:القول الأول: عدم وجوب قراءتها، وهو ما ذهب إليه جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة(9).واحتجوا لذلك: بقوله تعالى ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}(10) قال أُبي بن كعب رضي الله عنه: ” لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الإمام”، وإمامهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالظاهر أنه كان بأمره. وقال الإمام أحمد رحمه الله: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. واحتجّوا بحديث جابر رضي الله عنه المتقدم، وحديث ﴿من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة﴾(11).القول الثاني: وجوب قراءة سورة الفاتحة وعدها ركنا من أركان الصلاة، فلا تصح الصلاة دونها، ويستوي في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد. وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله والليث والأوزاعي وأبي ثور، رحمهم الله تعالى. قال الإمام النووي رحمه الله: “قراءة الفاتحة للقادر عليها فرض من فروض الصلاة، وركن من أركانها، ومتعينة، لا يقوم مقامها ترجمتها بغير العربية، ولا قراءة غيرها من القرآن، ويستوي في تعيينها جميع الصلوات، فرضها ونفلها، جهرها وسرها، والرجل والمرأة، والمسافر، والصبي، والقائم، والقاعد، والمضطجع، وفي حال شدة الخوف وغيرها، وسواء في تعينها الإمام والمأموم والمنفرد”(12).واحتجوا لذلك: بحديث عُبادة رضي الله عنه المتقدم. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، ثلاثا، غير تام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام ؟ فقال –يعني أبو هريرة رضي الله عنه-: اقرأ بها في نفسك)(13).الترجيحوالذي يبدو لي رجحان مذهب الشافعية، والذي يقضي بوجوب قراءة الفاتحة؛ لأن دليل الشافعية متفق على رفعه ودليل الأحناف ومن معهم من المالكية والحنابلة مختلف في رفعه، كذلك أن دليل الأحناف في الآية قد طرأه الاحتمال، إذ قد يراد قراءة ما تيسر زائدًا على الفاتحة، فقد جاء حديث المسيء في صلاته في رواية الشافعي بلفظ (فكبر ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ)(14). ويستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة سكوتًا يمكن المأموم من قراءة الفاتحة فيها؛ لما روى سمرة بن جندب رضي الله عنه أنّه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سَكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة {الْمَغْضِوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين}(15).قال أبو سلمة بن عبد الرحمن:” للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال، {وَلا الضَّالِّين} ” ( 16).وعليه فما ذهب إليه الشافعية يتعين رجحانه والأخذ به لقوة دليله وضعف نقيضه.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) باحث متخصص بعلم أصول الفقه.(2) شرح الكوكب المنير: 4/652.(3) الإحكام للآمدي: 4/248.(4) الكفاية في علم الرواية: 1/435.(5) المستصفى: 377.(6) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم: (394)، 1/295.(7) نصب الراية: 2/18.( 8 ) الإبهاج: 3/225، 226، البحر المحيط: 6/159.(9) البناية شرح الهداية: 2 /313، شرح مختصر خليل: 1/ 269، شرح منتهى الإرادات:1/ 178.(10) سورة الأعراف: الآية 204.(11) أَخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها: باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا برقم: (840)، والدارقطني كتاب الصلاة، باب ذكر نيابة الإمام عن المأمومين، برقم: (4): 1/403.(12) المجموع للنووي: 3/326.(13) أخرجه مسلم برقم: (395)، 1/296.(14) المسند للإمام الشافعي: 1/34.(15) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب السكتة عند الافتتاح برقم:(660).(16) الكافي في فقه أهل المدينة: 1/133.