من دروس النكبة الأولى والفاجعة الحالية
بقلم : د. محمد الحاج عيسى
كتب الإبراهيمي رحمه الله سلسلة مقالات عن فلسطيـــــن المغتصبة عام النكبة والتقسيم ، وفي فقرة من فقرات المقال الثالث تحدث رحمه الله عن مجالات القوة التي يشملها قول الله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60] والتي كان ينبغي للمسلمين الاشتغال بإعدادها لمنع من كان يخطط لغزو أرض الرباط والجهاد ولدحره ، وحددها في ثلاث أنواع من القوة قوة المال وقوة العلم وقوة الصناعة، وأبان أن العدو ما تفوق على المسلمين بكثرة عدد ولا بفضل شجاعة وإنما تفوق عليهم بهذه العناصر الثلاث، والتي لم يقابلها المسلمون يومها إلا بالأقوال والاحتجاجات التي هي سلاح الضعفاء كذا قال يومها ولا زلنا إلى يومنا كذلك.
وقد أشار الشيخ في ضمن حديثه إلى شرط كان ينبغي أن يصاحب هذا الاعداد المادي المأمور به، وهو الاتحاد بدل التشتت والاجتماع بدل التفرق، وهذا الشرط يدخل ضمن الإعداد الروحي والذي لن يتحقق إلا برباط متين يبنى على العقيدة والدين، وذلك أن وجود ذلك الإعداد لن يغني شيئا مع التفرق والتشدد والتصارع الداخلي، ولأنه ربما يجعلنا ننفق ما أعد في سبيل ذلك بدلا من توجيهه إلى العدو عدونا وعدو الله والإنسانية ، وقد قال تعالى {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال: 46].
تحدث الشيخ رحمه الله يومها عن الكثرة وأنها لا تنقص وهي كذلك اليوم لا تنقص رغم ما بثه فينا الشيطان وبنو صهيــــون من خوف من الفقر حتى صار تحديد النسل هدفا وغاية لدى الساسة في كل بلداننا إلا غـــــزة الحرة، وتحدث عن الشجاعة وهذا أمر يشك في توفره اليوم إلا في الأقوام الذين تربوا على مائدة القرآن وتلوه حق تلاوته علما وعملا ، وأما غالب الأمة فقد دب فيهم داء الوهن حب الدنيا وكراهية الموت، وداء الوهن إنما علة من ثبت منهم على المبادئ والعقائد بقلبه وقوله، وأما غيرهم فمنهم من أصابهم مرض القلوب فزادهم الله مرضا ومنهم من بدلوا تبدلا فسحقا لهم .
وقرر الشيخ رحمه الله أن ثلاثين سنة كانت كافية للإعداد المطلوب، أي من وعد بلفور 1917 إلى سنة 1948، لكن الأمة لم تفعل فحدث ما حدث، ولقائل أن يقول إن جل الأمة الإسلامية كانت تحت الاحتلال أو الانتداب يومها، فيقال نعم إنها كانت كذلك ولا تزال، ولكن لم يكن ذلك مانعا أبدا من تحقيق الوحدة وإعداد العدة، واليهـــــود قد توحدوا وأعدوا عدتهم وهم بلا وطن يجمعهم مشتتين في العالم .
وإذا كان الشيخ يأسف على أمة أضاعت ثلاثين سنة وجلها كان تحت الاستعمار والانتداب؛ فكيف يقال بعد مضي خمس وثمانين سنة من النكبة؟ وقد دحر الاستعمار “العسكري” عن جل البلاد الإسلامية منذ عقود مضت؟
لقد أضعنا أجيالا في صراعات صنعها لنا الغرب وأذنابه القابعون بيننا، وتوهم كثير منا أن تحصيل القوة يكون بالارتماء في أحضان اليسار وقد كان فينا من هواه في اليمين، وتخيل بعضنا أن الوحدة في الاعتصام بالقومية العربية وهو في الحقيقة إقصاء لأكثر الأمة ولم نحصل منه إلا مزيد تشتيت لها.
أضعنا أجيالا إذ لم نصغ إلى قول تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103]
وإن الشيخ رحمه الله عاد في الأخير يقول لنا إنه قد كان في النكبة دروس لهذه الأمة لأن الأمة النائمة والخاملة والجامدة تحتاج إلى من يزعجها من نومها ويرجها رجا لتستفيق إقامة تجعلها تظهر نفسها من الوهن والخوف والضعة ، وكذلك نقول في يومنا هذا إن هذه الفاجعة التي نسأل الله تعالى أن لا يجعلها نكبة تعتبر موقفا جديدا للأمة لمراجعة نفسها وإعادة رسم أهدافها ثم خططها تبعا لذلك، وتعتبر فضحا للمبدلين إذ كشفوا في العراء واتضحت خيانتهم ولم يترك لهم سادتهم من خيار إلا معاداة الثابتين على العهد الصامدين، وتعتبر منبها لهؤلاء الذين دب فيهم الوهن فلعل ضمائرهم تستفيق بعد طول الغفلة، ولعل وجدانهم الذي غمره الران يتحرك، ولعلهم بعد ذلك يرجعوا إلى دينهم الذي فيه عزتهم ونصرتهم وفلاحهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.
وهذا نص الشيخ الملهم لكتابة هذه العبارات لمن أراد أن ينتشي بلغة الإبراهيمي العالية رحمه الله تعالى
قال كما في الآثار (3/ 441-442):
“كان الواجب أن نعمل من يوم الوعد لما ينقُض الوعد، فنجمع الشمل المشتت، والهوى المتفرق، ونقضي على الصنائع التي اصطنعوها منا، ونحارب الواعد والموعود بالسلاح الذي يحاربوننا به، ونعلم أن اليهود لا يكاثروننا بالرجال فرجالنا أكثر، ولا يكاثروننا بالشجاعة فشجاعتنا أوفر، وإنما يكاثروننا بالمال والعلم والصناعة، فلو كنا ممن يفكر ويقدِّر ويأخذ بالأحوط الأحزم، لبدأنا من أول يوم بالإعداد والاستعداد، فأعددنا المال، وأعددنا العلم، واستعددنا بالصناعة. وإن في ثلاثين سنةً ما يكفي لأن نستعدّ كما استعدّوا، وأكثر مما استعدّوا. لا بالأقوال والاحتجاجات التي هي سلاح الضعفاء، ولكن بمصانع العقول وهي مدارس العلم، وبمعامل الأسلحة والعتاد، وبمصايد المال وهي الشركات التجارية، ولو فعلنا لا نجحر صهيون في وجاره، وانكمش من يؤازره اليوم من أنصاره، ولو فعلنا لما كانت مماطلة الأمس ولا تقسيم اليوم.
أما وإننا لم نفعل فلنعتبر أن صدمة التقسيم القاسية العنيفة هي تأديب إلهي ينقّي من هممنا الوهنَ والزغل، وينْفي من صفوفنا الكلّ والوَكل، وإن الأمم التي تصاب بمثل تأخّرنا وتخاذلنا وغفلتنا لمحتاجة إلى أحداث ترجّها رجًّا، وتزجُّها في المضايق زجًّا، لتنفض عنها أطمار الخمول والضعة، وتطهرها من أدران الخوَر والفسولة.
إن العروبة لفي حاجة إلى ذلك الطراز العالي من بطولة العرب.
وإن الإسلام لفي حاجة إلى ذلك النوع السامي من الموت في سبيل الحق، ليحيا الحق”.