أفلا يتدبرون القرآن ٠٠ تأملات في الآيات القرآنية

بقلم : محمد الحسني

إن الله جل ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين ، وبشيرا للمؤمنين ، ونذيرا للمخالفين ، أكمل به بنيان النبوة وختم به ديوان الرسالة وأتم به مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وأنزل عليه بفضله نورا هدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، وحكم بالفلاح لمن تبعه، وبالخسارة لمن أعرض عنه بعدما سمعه، أعجز الخليقة عن معارضته وعن الإتيان بسورة من مثله في مقابلته، وسهل على الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسر على الألسن قراءته، أمر فيه وزجر وبشر وأنذر وذكر المواعظ ليتذكر وقص عن أحوال الماضين ليعتبر وضرب فيه الأمثال ليتدبر ودل على آيات التوحيد ليتفكر ولا حصول لهذه المقاصد فيه إلا بدراية تفسيره وأعلامه ومعرفة أسباب نزوله وأحكامه والوقوف على ناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه ثم هو كلام معجز وبحر عميق لا نهاية لأسرار علومه ولا درك لحقائق معانيه وقد ألف أئمة السلف في أنواع علومه كتبا كل على قدر فهمه ومبلغ علمه نظرا للخلف فشكر الله تعالى سعيهم ورحم كافتهم . (مقدمة تفسير البغوي) قال تعالى واصفاً حال الكافرين في الآخرة (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعلمون) (العنكبوت آية 55)السؤال: لماذا قال يغشاهم العذاب من فوقهم والغشيان فعل يعني التغطية أي من فوق؟ ثم أضاف ومن تحت أرجلهم فهل يكون الغشيان من تحت؟ ثم أين الفاعل للفعل (ويقول) هل العذاب هو الفاعل أي يغشاهم ويقول؟ وإذا كان هذا فهل العذاب يتكلم؟لقد جاء في كتب التفسير الكثير عن هذه الآية ولكني أنقل ما يجيب عن أسئلتنا منه وأترك للقارئ الكريم الرجوع إلى ما ذكرت من المصادر إن أراد الاستزادة وبالله التوفيق….جاء في تفسير ابن عاشور في التحرير والتنوير وأنقل ما قاله مع التصرف يقول رحمه الله: ويتعلق يوم يغشاهم العذاب بـ محيطة أي تحيط بهم جهنم يوم يغشاهم العذاب، وفي قوله: يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم تصوير للإحاطة. والغشيان: التغطية والحجب وقوله: من فوقهم بيان للغشيان لتصويره تفظيعا لحاله كقوله (ولا طائر يطير بجناحيه) وتأكيداً لمعنى الغشيان لرفع احتمال المجاز فهو في موضع الحال من العذاب وهي حال مؤكدة وقوله: ومن تحت أرجلهم احتراس عما قد يوهمه الغشيان من الفوقية خاصة، أي تصيبهم نار من تحتهم تتوهج إليهم وهم فوقها ولأن الغشيان هو التغطية فتقتضي العلو _تعين تقدير فعل يتعلق به من تحت أرجلهم وهو أن يقدر عامل محذوف. وقد عد هذا العمل من خصائص الواو في العطف أن تعطف عاملاً محذوفا دل عليه معموله قال الشاعر: يا ليت زوجك قد غدا متقلدا سيفا ورمحايريد: وممسكا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد. فيقدر في هذه الآية تضمين فعل يغشاهم معنى يصيبهم أو يأخذهم، والمقصود من هذا الكناية عن أن العذاب محيط بهم، فلذلك لم يذكر الجانبان الأيمن والأيسر؛ لأن الغرض من الكناية قد حصل والمقام مقام إيجاز؛ لأنه مقام غضب وتهديد بخلاف قوله تعالى: ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم؛ لأنه حكاية لإلحاح الشيطان في الوسوسة. (التحرير والتنوير /ابن عاشور)وجاء في تفسير القرطبي: قوله تعالى (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم) قيل: هو متصل بما هو قبله؛ أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم وإنما قال (من تحت أرجلهم) للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم؛ كما قال الشاعر:علفتها تبنا وماءًا باردا (تفسير القرطبي).وكذلك فسر الزمخشري (يوم يغشاهم العذاب) بأنه عائد على ما قبله وهو قوله تعالى (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) فقال: أي ستحيط بهم يوم يغشاهم العذاب أو هي محيطة بهم في الدنيا؛ لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم. أو لأنها مآلهم ومرجعهم لا محالة فكأنها الساعة محيطة بهم. ويوم يغشاهم على هذا منصوب بمضمر أي: يوم يغشاهم العذاب كان كيت وكيت. (الكشاف /للزمخشري)ويقول صاحب الظلال: وعلى طريقة القرآن في التصوير، وفي استحضار المستقبل كأنه مشهود صور لهم جهنم محيطة بالكافرين، وذلك بالقياس إليهم مستقبل مستور؛ ولكنه بالقياس إلى الواقع المكشوف لعلم الله حاضر مشهود، وتصويره على حقيقته المستورة يوقع في الحس رهبة، ويزيد استعجالهم بالعذاب نكارة فأنى يستعجل من تحيط به جهنم، وتهم أن تطبق عليه وهو غافل مخدوع؟!ويرسم لهم صورتهم في جهنم هذه المحيطة بهم ; وهم يستعجلون بالعذاب: يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ويقول: ذوقوا ما كنتم تعملون.وهو مشهد مفزع في ذاته يصاحبه التقريع المخزي والتأنيب المرير: ذوقوا ما كنتم تعملون. فهذه نهاية الاستعجال بالعذاب ;والاستخفاف بالنذير. (في ظلال القرآن/ سيد قطب)أما الأمام فخر الدين الرازي فقد انفرد في ذكر لطيفة لهذه الآية وتكلم عن مسألة عدم ذكر الجهات جميعها في إحاطة النار بهم فيقول :وفيه مسألتان:المسألة الأولى: لم خص الجانبين بالذكر ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدام؟ فنقول: لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة خلفه وقدامه ويمينه ويساره، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة العاجلة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفئ بالدوس موضع القدم.المسألة الثانية: قال:(من فوقهم ومن تحت أرجلهم) ولم يقل من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم ومن تحتهم، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم يذكره عند ذكر فوق، فنقول لأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرؤوس وسواء كان من موضع آخر عجيب فلهذا لم يخصه بالرأس، وأما بقاء النار تحت القدم فحسب عجيب، فذكر العجيب وهو تحت الأرجل، حيث لم ينطفئ بالدوس وما فوق على الإطلاق. (مفاتيح الغيب /فخر الدين الرازي)وقوله تعالى (ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون): وفي هذه الآية ينفرد ابن عاشور أيضا برأيه ويجيب عن استفهامنا الذي ذكرناه في بداية تأملاتنا وهو هل العذاب هو الذي سيقول ذاقوا ما كنتم تعملون وانظر إلى قوله رحمه الله تعالى: الضمير في الفعل يقول عائد إلى معلوم من المقام. فالتقدير: ويقول الله. وعدل عن ضمير التكلم على خلاف مقتضى الظاهر على طريقة الالتفات على رأي كثير من أئمة البلاغة، أو يقدر: ويقول الملك الموكل بجهنم، أو التقدير: ويقول العذاب، بأن جعل الله للنار أصواتا كأنها قول القائل: ذوقوا. ومعنى ما كنتم تعملون: أي جزاءه. (التحرير والتنوير /ابن عاشور)ونختم بما جاء في خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي بقوله: وقوله تعالى :(ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) لم يقل :ذوقوا النار، وإنما ذوقوا ما عملتم، كأن العمل نفسه سيكون هو النار التي تحرقهم ٠٠٠ أقول: انظر إلى دقة المعنى وحلاوة المفردة وجمال الوصف، والتعبير الذي يجعلك تعيش المشهد وترى الأمر وكأنه ماثل أمامك قد وقع ليزرع فيك الخوف تارة لتنزجر وتعود ويشرق فيك الأمل تارة أخرى لتترقى في مسالك الوصول إلى الله ومرضاته ٠٠ أن النفوس إذا صفت فحينها لن ترتوي وتشبع وترتاح الا مع كتاب الله تعالى ولن تأنس بمثله ولن ترضى بغيره بديلا ٠٠ صدق الله وصدق رسوله.اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء أحزاننا واجعلنا من أهله وافتح لنا فيه فتحا إنك أنت الفتاح العليم وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

Similar Posts