القول الفصل في آيتين من سورتَي الأنعام والنمل

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى مخاطبا خليله محمداً صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ)) الآية 90وفيها جملة من المسائل:الأولى: قوله تعالى :((اقْتَدِهْ)) فالهاء للوقف والسكتة والفعل:”اقتد” فعل أمر مجزوم بحذف حرف العلة واصله “يقتدي” وهو عائد على قوله جل وعلا:((فَبِهُدَاهُمُ)) أي اقتدِ بهداهم، والمقصود بهم الأنبياء والمرسلون صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.الثانية: متعلقة باختلاف القُرّاء في قوله تعالى :((اقْتَدِهْ)) قال الإمام البغوي في تفسيره:”اقتده ) الهاء فيها هاء الوقف ، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل ، والباقون بإثباتها وصلًا ووقفًا ، وقرأ ابن عامر : ” اقتده ” بإشباع الهاء.الثالثة: في معنى الاقتداء: قال الإمام الطبري في تفسيره:” ومعنى: ” الاقتداء ” في كلام العرب، بالرجل: اتباع أثره، والأخذ بهديه. يقال: ” فلان يقدو فلانًا “، إذا نحا نحوه، واتبع أثره،” قِدَة، وقُدوة وقِدوة وقِدْيَة “.الرابعة: متعلقة بأن الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء والمرسلين في أصول الدين فإنها واحدة في كل الرسالات والنبوات، كذلك المقصود بها الأحكام التي لم تُنسخ في شريعة الإسلام، وكذلك الاقتداء بهم في صبرهم وجَلَدِهم وثباتهم في الدعوة إلى الله تعالى وخصوصاً أُولي العزم منهم كما في قوله تعالى في سورة الأحقاف :((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )) الآية 35.الخامسة: الأمر بالاقتداء بهم في مكارم الأخلاق وفضائل الشمائل ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه.وقوله صلى الله عليه وسلم :(لم تستحي) بياء واحدة وأصلها :(تستحيي) بيائيْن فلما جُزمتْ ب (لم) الجازمة حذفت ياء واحدة وبقيت الياء الأولى.وقوله صلى الله عليه وسلم :(إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة) فيه دليل على أن هذا اللفظ من الحديث:(إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) كان مشهورًا بين الناس لأنه من كلام الأنبياء السابقين ولكنهم لا يعرفون مصدر قائله، فاثبتَ النبي صلى الله عليه وسلم مصدره، وَأَقَرَّ معناه ووافقه وقرَّرَه شرعًا ودينًا وجعل الحياء شعبة من الإيمان ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.قوله تعالى في سورة النمل على لسان بلقيس ملكة اليمن:((قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)في الآيات المباركات وصفت بلقيس كتاب سليمان عليه السلام بانه:((كِتَابٌ كَرِيمٌ))والله تعالى وصف القرآن بأنه كتاب كريم كما في قوله تعالى في سورة الواقعة :((إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77))وكأنها تصف آياتٍ من سورة النمل فإن الكتاب الكربم لسيدنا سليمان عليه السلام لها ذُكِرَ نصّاً في القرآن الكريم:((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31). فاستشعرت بذكائها أن هذا الكتاب الذي أُلقِيَ إليها لا يمكن أن يصدرَ إلا عن وحيٍ ونبوةٍ ورسالة، ولذلك خالفت مجلس الشورى الذي وصفته بقولها في النمل:((قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32)فلما أشاروا عليها بغير منطق ولا عقل ولا رشد، آثرتْ أن تتبع فراستها وذكائها ودهائها في طاعة سيدنا سليمان عليه السلام.فسبحان الله الذي أعطى بعضَ النساءِ فراسةًفاقتْ كثيراً رؤيةَ الأعيانِِ

Similar Posts