من أعلام الإصلاح في العراق (13) علي البازِركان
بقلم الدكتور مثنى حارث الضاري
هو علي بن عبد الحميد بن أحمد القيسي، من عائلة انحدرت من مدينة الرها (أورفة) في منطقة الجزيرة، نحو العراق صحبة السلطان مراد الرابع المتوجه لتخليص بغداد من الصفويين سنة (1638م)، واستقر قسم من هذه القبائل في العراق واستوطن بعضها بغداد، واختار (القيسيون) الاستيطان في محافظة ديالى([1]). وقد اختارت عائلة (البازركان) لاحقًا السكنى في بغداد منذ سنة (1102ه-1690م)، وزاول بعض أبنائها مهام الإدارة في بغداد والبصرة كذلك، فكان والد علي (عبد الحميد أغا) عضوًا في المجلس التجاري لمدينة بغداد، وأحد أجداده (أحمد باشا بازركان) واليًا على بغداد سنوات (1690-1692م)([2]). وزاول بعض أبناء العائلة التجارة، فلقبوا بـ (البازركان) نسبة إلى كلمة: (بازار) الفارسية، التي تعني (السوق)([3]).
ولد (علي البازركان) في محلة (الحيدرخانة) في رصافة بغداد في (26/شوال/1304ه-18/تموز/1887م)، ودرس في أحد كتاتيب بغداد أولًا، وتعلم فيه الحروف العربية، ثم انتقل لكُتّاب ثانٍ في جامع (حسين باشا) القريب من داره، ودرس فيه على يد الشيخ (عبد الرزاق حتانة) القرآن حتى أتم ختمه وهو في سن السابعة([4])، ودخل بعد ذلك (المدرسة الحميدية) ودرس فيها الدراسة الابتدائية، ثم دخل (المدرسة الرشدية العسكرية) وأكمل فيها الدراسة المتوسطة، وانتقل إلى (مدرسة الإعدادي الملكي) المدنية؛ بعد أن رفض والده دخوله مدرسة (الإعدادي العسكري). ويبدو أن والده أراد له أن يسلك الطريق المدني بعد أن سلك أخوه (محمد شفيق) الطريق العسكري، وتخرج ضابطًا في مدارس (الأستانة)، وتوفيّ شهيدًا في معارك القفقاس سنة (1915م)([5]).
وعند وصول (علي) المرحلة الأخيرة من المدرسة توفي والده سنة (1903م)؛ فتركها وانخرط في العمل التجاري لإعالة عائلته، بالتعاون مع عمَّين له يعملان في السوق، وأكمل تحصيله العلمي بعد ذلك بجده واجتهاده ومطالعاته؛ فتعلم اللغات: التركية والفرنسية والألمانية والفارسية، وتعمق في القراءات التأريخية واعتنى بأخبار الأسر والعشائر العراقية.
البازركان: موظفًا وإداريًا
عمل (البازركان) في مناصب حكومية إدارية مختلفة قرابة عقدين من الزمان، تنقل فيهما في عدد من البلاد العراقية؛ فكان أول مدير لبلدية الرصافة، بعد قرار مجلس الوزراء وقتها بإعادة تشكيل البلدية واختيار رؤسائها وأعضاء مجالسها انتخابًا، وجرت الانتخابات في عام (1922م)، وفاز بالأكثرية 12 عضوًا، اختير ثلاثة منهم لإدارة البلديات الثلاث في بغداد، وهي: (الرصافة) و(الكرخ) و(رأس القرية). وعمل بعد ذلك (معاونًا) لأمين العاصمة، فـ (وكيلًا) له، ثم اختير لمهام (قائم مقام) قضاء (سامراء) في المدة (3/11/1925م- 4/1/1927م)، ثم (قائم مقام) أبو صخير، ثم (قائم مقام) الهندية، ثم (قائم مقام) الشطرة. وبعد ذلك أصبح (وكيلًا) لمتصرف لواء (المنتفك) في (نيسان 1932م)، ثم (متصرفًا) في لواء (الدليم) في (تشرين الثاني 1932م)، ثم عاد إلى لواء المنتفك (متصرفًا) فيه سنة (1933م).
ونقل بعد ذلك إلى وظيفة (مفتش إداري) سنوات (1934-1936م)؛ ولكنه فصل منه بسبب مواقفه الوطنية وتطلعاته الإصلاحية؛ ثم أعيد في السنة التالية للمنصب نفسه، وفصل منه ثانيةً سنة (1939)([6])؛ فرفض العودة للعمل الوظيفي بعد هذه الإقالة الثانية، وتفرغ للبحث والتأليف.
البازركان: مصلحًا وتربويًا
لا يرتبط اسم البازركان بالمبادرة والنشاط في مجال السياسة والعمل الوطني وحسب؛ وإنما في مجال التربية والتعليم أيضًا؛ حيث اقترنت باسمه تجربة تأسيس أول مدرسة أهلية في العراق، واقترن اسمه كذلك بأول دعوة لإلزامية التعليم، فضلًا عن مشاركته في تجارب تعليمية وتربوية أخرى؛ فقد اقترح سنة (1908م) فكرة إنشاء مدرسة أهلية في العراق على عدد من تجار ورجالات (الشيعة) في بغداد؛ لتكوين طلبة ملمين بعلوم عصرهم ولغاته، وقادرين على إدارة أعمال أهلهم وتجاراتهم. وقد لاقت هذه الفكرة قبولًا لدى المرجع الديني الشيخ (محمد سعيد الحبوبي) الذي كان يزور الكاظمية وقتها، والسيد (عبد الكريم الحيدري)، و(الحاج داود أبو التمن)، وغيرهم من وجهاء الكاظمية؛ فسعى (البازركان) سريعًا إلى استحصال موافقة والي بغداد عليها، وبعد أيام قليلة أعلن عن افتتاح المدرسة في (12/12/1908م) باسم (مكتب الترقي الجعفري العثماني)، وسجّل فيها قرابة (300) طالب، وعمل فيها (البازركان) نائبًا للمدير مع رئيسها القاضي الشيخ (شكر الله)([7]). وقد خرّجت المدرسة عددًا كبيرًا من العلماء والأدباء والقانونيين والإداريين([8]).
وكرر (البازركان) هذه التجربة مرة أخرة بعد (11) سنة، وأسس مع نخبة من مثقفي بغداد (المدرسة الأهلية الثانوية) التي عرفت لاحقًا باسم (مدرسة التفيض) في (14/9/1919م)؛ فقد عقد مع الشيخ (نور الدين الشيرواني) والسيد (جلال بابان) لقاءً لانتخاب هيئتها التأسيسية بحضور عدد من علماء بغداد ووجهائها، الذين دعموا هذه التجربة الرائدة([9]). وقد أدت هذه المدرسة واجبات وطنية مهمة فضلًا عن رسالتها العلمية والتربوية؛ حيث اتخذها (البازركان) وصحبه مكانًا لعقد اجتماعات (جمعية حرس الاستقلال) التي أسسوها في العام نفسه، وغدت بذلك “منبرًا يتم فيه دراسة ما يدور في الوطن من أحداث جسام” كما يقول البازركان، ووصفت بأنها “أحد أهم معاقل الحركة الوطنية في بغداد”([10]). إلا أن سلطات الاحتلال أغلقتها في (12/8/1920م)؛ في سياق حملتها على الوطنيين وأماكن تجمعاتهم أثناء احتدام أحداث ثورة العشرين. وبعد مرور شهر واحد فقط استطاع الشيخ (عبد الوهاب النائب) أحد داعمي المدرسة وعضو الهيئة الإدارية فيها؛ استحصال الموافقة على فتحها ثانية؛ ففتحت وغُيّر اسمها إلى (مدرسة التفيض)([11]).
وفضلًا عن المدرستين المتقدمتين؛ فقد درّس (البازركان) في (المدرسة الألمانية) التي افتتحت في بغداد سنة (1909م) وأغلقت سنة (1914م) مع اندلاع الحرب العالمية الأولى([12])، وكان الباعث على تأسيسها نجاح تجربة (المدرسة الجعفرية)؛ حيث اتصل القنصل الألماني بالبازركان مستشيرًا إياه في إمكانية نجاح هكذا مشروع في بغداد؛ فشجعه البازركان على ذلك بشرط أن تنهج المدرسة سبل التعليم الصحيح؛ فطلب منه القنصل المشاركة في التدريس فيها، فقبل ودرّس فيها اللغتين العربية والتركية، وقال عن تجربته فيها: “مادام العمل في سبيل العلم والمعرفة ونشرهما بين الأهالي، وفيه خدمة لأبناء الوطن فأنا لا أمانع من المساهمة في التدريس فيها”.
ولم ينقطع (البازركان) عن محاولاته الإصلاحية التربوية؛ حيث كتب عندما كان (قائم مقامًا) في (أبي صخير) تقريرًا سنويًا لوزارة الداخلية، أوصى فيه بزيادة عدد المدارس في النجف، وجعل التعليم الابتدائي إلزاميًا فيها؛ فكان “أول شخصية رسمية في الدولة العراقية أشار إلى التعليم الإلزامي في العراق في وقت مبكر، وقد سبق الحركات السياسية في تنظيراتها السياسية إلى التعليم في مشروعه هذا… بقرابة نصف قرن”([13]).
وقد كان ساعيًا كما يظهر من تجاربه وكما سجل في مذكراته إلى نشر التعليم على أسس إسلامية عربية بعيدًا عن الأسس التي كانت تنتهجها المدارس الرسمية الحكومية والتبشيرية الأجنبية، ومن هنا كانت له أفكاره ومواقفه المعروفة في هذا المجال، التي نبه عليه مترجمو حياته وكاتبو سيرته([14])، فقد كانت له “آراء مهمة على صعيد الاهتمام بالتربية والتاريخ والربط بينهما لتربية نشءٍ جديد يعول عليه في بناء الدولة والأمة”([15]).
ولم يكتف (البازركان) بما تقدم؛ وإنما شارك في تأسيس (جمعية حماية الأطفال) في العراق سنة (1928م). التي كان هدفها: “تقليل وفيات الأطفال عامة والسعي بكل الوسائل الفنية والاجتماعية لتربيتهم بصورة صحيحة وتحسين النسل ومساعدة العائلات الفقيرة، وكان لهذه الجمعية (19) فرعًا في جميع أنحاء العراق وأغلبية هذه الفروع لها مستوصفات خاصة بها”([16]).
البازركان: مؤرخًا ومؤلفًا
للبازركان عدد من الكتب التي كتبها هو أو رتبها وأعدها للنشر نجله (حسان) من مجموع كتاباته ومذكراته، وأولها ظهورًا وأكثرها أهمية وأوسعها انتشارًا؛ هو كتابه: (الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية)، الذي يتضمن “مناقشة وتحليلاً لحوادث العراق في 30 حزيران 1920م ورد ما ألصق بها من مفتريات وتصحيح ما دار حولها من أخطاء” كما جاء في عنوانه الفرعي. وقد كان لنشر هذا الكتاب سنة (1957م)؛ صدى مهمًا و”أثار عند صدوره مناقشات وحوارات عمقت الكثير من المعلومات والحقائق عن الثورة”([17]).
وقالت جريدة (الهاتف) لصاحبها جعفر الخليلي عن الكتاب: “الذين يعرفون علي البازركان، وخدمته في الحقل الوطني في ميدان الثورة العراقية يقدرون ما تحتويه رسالته من حقائق وبما تكشف الستار عن كثير من الأسرار الغامضة التي أغرت البعض في تفسيرها بما يرضي نزعاتهم، وبما يحقق رغباتهم في التظاهر بمظهر الزعامة”. وقالت عنه (جريدة لواء الاستقلال):” كتاب ظهر حديثا لرجل اطلع على أسرار السياسة العراقية، وكيف قامت أسسها الأولى… ويميط اللثام عن حقيقة كثير من الأحداث والتفاصيل التي رافقت الثورة… يتحرى أسلوب البحث العلمي ويذكر (دور بغداد) الذي لعبته في الثورة العراقية الذي يجهله الكثيرون ويعتقدون أن الثورة اقتصرت على الأوساط العشائرية”([18]).
وطبع الكتاب طبعة ثانية محققة ومزيدة، سنة (1991م)، حوت ملاحق ووثائق جديدة مع هوامش توضيحية لنجله حسان البازركان. وقد استكمل السيد (حسان) النجل الأكبر للبازركان كتاب والده المتقدم بكتاب آخر، استخرجه من مذكراته ونشره بعنايته لاحقًا بعنوان: “من أحداث بغداد وديالى أثناء ثورة العشرين في العراق”، وفيه زيادات مهمة ومعلومات تتعلق بموضوع محاولة تحرير بغداد أثناء الثورة.
وله كتاب ثانٍ هو: (مشاهداتي في الحجاز سنة 1951م)، ويبحث في سفره من بغداد لتأدية فريضة الحج وعودته إليها عن طريق مصر وفيه مراسلات مهمة، وكتاب ثالث بعنوان: (مناسك الحج)، ويورد فيه أذكار وأدعية مناسك الحج، وكتاب رابع بعنوان: (رسالة الأحكام الإسلامية)، كتبه سنة (1954م)، يبحث فيه موضوع أركان الإسلام.
وقد اعتنى (حسان البازركان) بمذكرات والده، وأعد منها عدة كتب وعلق عليها وزود بعضها بالوثائق والصور ونشرها، ومن أبرزها كتاب: (فصول من تاريخ التربية والتعليم في العراق). ويوثّق هذا الكتاب جهود (البازركان) التعليمية والتربوية، ويعرض تفاصيل تأسيس (مكتب الترقي الجعفري العثماني) ومراحل إدارته وعمله فيه نائبًا لمديره. ويوثّق الكتاب أيضًا إنشاء (المدرسة الأهلية الثانوية) وأسبابه ودواعيه، وظروفه، وما قدمته المدرسة من خدمات علمية وما كان يجري فيها من اجتماعات ولقاءات سياسية وطنية. ولا يخلو الكتاب من معلومات ووثائق أخرى ومنها مرحلة عمل (البازركان) في (المدرسة الألمانية) وما يتعلق به.
وثم كتاب ثانٍ استخلصه (حسان) من كتابات والده ومذكراته وعنون له بـ: (علي آل بازركان من مذكراته بين الناس والكتب). ويحتوي هذا الكتاب على بعض اهتمامات (البازركان) التاريخية والعلمية، ومنها: أسماء بعض عوائل بغداد من معارفه وأصدقائه، وفيه أسماء الكتب المهداة إليه وأسماء مهديها، وكذلك بعض الكتب التي قرأها وملاحظاته على بعضها.
وقد جمع (حسان البازركان) مذكرات والده المتبقية -وهي كثيرة- في كتاب من أربعة مجلدات بعنوان (خاطرات مكتومة)، يتناول في المجلد الأول منها: العهد العثماني في ولاية بغداد حتى الاحتلال البريطاني سنة (1917م)، وفيه أيضًا ذكر لتاريخ عائلته وتفاصيل حياته وما يتعلق بها من أحداث. وتناول المجلد الثاني: مرحلة الاحتلال والانتداب الإنكليزي للعراق، وتفاصيل نشأة حزب حرس الاستقلال وثورة العشرين ومشاركته فيها وتنقلاته وخروجه من العراق وعودته إليه، وخصص المجلد الثالث: لأحداث تأسيس الدولة العراقية ومرحلة الحكم الملكي والتقارير التي كتبها والده أثناء عمله الإداري، حتى خروجه من الوظيفة، أما المجلد الرابع والأخير؛ فهو خاص بأحوال بغداد منذ سنة (1939م) حتى وفاة (البازركان) سنة (1958م). وفي جميع هذه المجلدات وثائق مهمة وملاحق كاشفة عن كثير من تفاصيل المراحل التي استغرقتها حياة البازركان وأعماله ومواقفه وتجاربه ومروياته وشهاداته ورحلاته.
فقد طلب عندما كان يعمل (قائم مقام) في قضاء (أبي صخير) سنة (1929م) من السيد (عباس آل زوَين) أحد وجهاء القضاء؛ كتابة مذكرة تاريخية عن أحداث المدة بين سنة (1795م) وسنة احتلال القوات البريطانية بغداد في (1917م). وتتناول هذه المذكرة “حوادث تاريخية مختلفة وقعت في منطقة الفرات الأوسط، بين مدينة السماوة جنوبًا، والحلة شمالًا، ومدينتي کربلاء والنجف غربًا، وعفك شرقًا… وتشمل هذه المذكرة تواريخ نصب الإداريين، والتغيرات الإدارية، والعلاقات بين السلطة العثمانية والعشائر، والعلاقات بين العشائر نفسها وأخبار الأوبئة والضرائب، وما إلى ذلك من شؤون”([19]). وقد أيد عدد من وجهاء (النجف) و(أبو صخير) ما جاء في هذه الوثيقة([20]).
البازركان: سياسيًا وطنيًا
أبرز صفات (البازركان) كما يظهر مما تقدم؛ هي مبادرته في السعي للمشاريع واقتراح الأفكار المساعدة، ومن ذلك انخراطه في عدد من النشاطات الوطنية في مرحلة مبكرة من عمر الاحتلال في العراق، فبمجرد سماعه بتكليف قاضيي الشرع في بغداد (السني والشيعي) باختيار لجنة لتقديم جواب العراقيين على الاستفتاء البريطاني على مصير العراق؛ حتى بادر للتواصل مع القاضيين وتقديم المساعدة لهما واقتراح بعض الأسماء عليهما، وهكذا تشكلت اللجنة الخماسية التي رشحها أعيان بغداد لتولي مهمة الرد، وكان هو أحد أعضائها في (22/1/1919م).
وبعد ذلك بشهر واحد أسس (البازركان) مع مجموعة من رفاقه جمعية سياسية سرية في (شباط/1919م)؛ هدفها التصدي للاحتلال البريطاني والمطالبة باستقلال العراق، وسمّوها جمعية (حرس الاستقلال). وشاركه في تأسيسها: (جلال بابان) و(محمود رامز) و(عارف حكمت) و(سعيد حقي) و(شاكر محمود) و(حسين شلال) و(عبد المجيد يوسف) و(عبد اللطيف حميد) و(محي الدين السهروردي)([21]). وقد شهدت الجمعية قبولًا وترحيبًا من شخصيات وطنية لها وزنها وتأثيرها في الساحة العراقية يومها، ما لبثت أن التحقت بالجمعية، ومنهم: الشيخ (يوسف السويدي) عميد العائلة السويدية المعروفة في بغداد، والسيد (محمد الصدر) الذي اختير رئيسا للجمعية في أول ترتيب إداري لها، والحاج (محمد جعفر أبو التمن)، و(ناجي شوكت) و(عبد المجيد كنه) و(محمد باقر الشبيبي) و(عبد الغفور البدري)، وغيرهم([22]). واختارت الجمعية هيئة إدارية لها؛ فسمت السيد (محمد الصدر) رئيسًا لها، و(محمد جعفر أبو التمن) أمينًا للسر، و(على البازركان) مديرًا للإدارة([23]).
وبعد خروجه من العراق بعد الإجهاز على (ثورة العشرين)؛ حضر (البازركان) حفل تأسيس إمارة شرق الأردن في (18/4/1921م). والتقى في (عمّان) بعدد من أعضاء (مؤتمر القاهرة) الذي عقدته سلطات الاحتلال في وقتها؛ لتنفيذ مخططها في العراق وبلاد الشام، وعرض عليهم مطالب الشعب العراقي وذكرهم بوعود الحلفاء بالاستقلال استنادًا إلى وعودهم التي قطعوها على أنفسهم سنة (1918م). وتلبية لطلب الملك (الحسين بن علي) ملك الحجاز سافر إلى (مكة المكرمة) مارًا بطريقه بفلسطين ومصر، وعاد من هناك إلى العراق بتاريخ (12/6/1921م) مع عدد من ثوار العشرين وغيرهم من العراقيين، الذين رافقوا الأمير (فيصل بن الحسين) الذي اختير ملكًا للعراق.
البازركان: ثائرًا وقائدًا في ثورة العشرين
لا يكاد مهتم بتاريخ العراق الحديث يخطئ أثر علي البازركان في ثورة العشرين ومقدماتها السياسية والفكرية، وقد مر معنا قبل قليل شيء من ذلك أثناء الحديث عن مبادراته السياسية والوطنية، وقد كان له أثره الكبير مع أعضاء جمعية حرس الاستقلال في التمهيد للثورة واستكمال جهود جمعية (العهد) و(العلم) وغيرها من الجمعيات العراقية التي كانت تعول على الثورة وتعمل على التحضير لها، وقد عد بذلك من رجال ثورة العشرين كما يقول (الدروبي) في تعريفه بعائلة البازركان: “ومن هذا البيت الفاضل علي أفندي البزركان وهو من رجال الثورة العراقية”([24]). ووصفه (حميد المطبعي) بأنه: “ثائر وطني من مفجري ثورة العشرين”([25])، وهو عند باحث متأخر زمنيًا “مؤرخ ثورة العشرين”([26])-ولعله يقصد أحد مؤرخيها-؛ فقد قرن جهده الوطني الميداني فيها بجهد فكري عندما وثق حوادث الثورة بناءً على مشاركته فيها، ومشاهداته في قواطعها المختلفة، ووثائقه التي يملكها، ونشر ذلك جميعًا في كتابه المشهور (الوقائع الحقيقية للثورة العراقية الكبرى)، الذي يعد أحد أهم المصادر المعتمدة في التاريخ للثورة وتصحيح كثير من الأخطاء في سرد حوادثها.
وكان (البازركان) مهتمًا كثيرًا بالانتقال بالثورة من حالتها السلمية إلى الحالة العسكرية، فدعا الهيئة الإدارية السرية لجمعية حرس الاستقلال لاجتماع عاجل، قدم فيه خطة بهذا الصدد تنص على ضرورة تحرير بغداد وتفجير الثورة فيها بالاستفادة من تصاعد المد الثوري فيها وزيادة الاجتماعات والمهرجانات التي تقيمها قيادة الثورة، واغتنامًا للأوضاع المتصاعدة في الفرات الأوسط وغيره؛ عن طريق الاستعانة بالقبائل والعشائر المحيطة بها. وحدد لهذا الأمر تأريخًا معلومًا هو يوم الجمعة (13/8). ونصت خطته على الأمور الآتية: قطع سكة الحديد لمنع وصول عساكر البريطانيين، وقيام عشائر دیالی بالثورة وبالأعمال الحربية وتحرير القصبات من السيطرة الإنجليزية، واعتقال الإنكليز وإدارة الأهالي لها، تحريك عشائر الفرات الأوسط نحو بغداد لتحريرها، على أن يكون تجمعها في (11/8)، وقيام عشائر المحمودية واليوسفية وما جاورهما، بالتوجه إلى بغداد في التاريخ نفسه، وإرسال ضباط من بغداد إلى كل من ديالى و اليوسفية لإدارة العشائر في تحركاتها، وتهيئة السلاح المتوفر لدى الأهالي في بغداد بمختلف أنواعه، وإعلان الثورة في بغداد في (13/8).([27])
وقد أقر المجتمعون هذه الخطة ووافقوا عليها بالإجماع؛ ولكن قبل تنفيذها بيوم واحد؛ أجهضتها سلطات الاحتلال الإنكليزي، عندما داهمت منازل عدد من قيادات الثورة فجر يوم الخميس (12/8/1920م)؛ تزامنًا مع إجراءات أخرى اتخذتها لقمع الثورة وقلبها النابض في بغداد. وشملت المداهمة بيت (البازركان) وبيوت: الشيخ يوسف السويدي، والسيد محمد الصدر، والحاج محمد جعفر أبو التمن([28]).
يقول المؤرخ (مير بصري) عن هذه الحادثة ناقلًا عن (البازركان): “حدثني قبيل وفاته عن هروبه من قبضة سلطات الاحتلال حين عزمت القبض عليه في (12 آب 1920م). فقد شعر عند الفجر بتطويق داره، وكان نائمًا على السطح اتقاءً لحر الصيف، فانقلب خلسة إلى دار فؤاد الدفتري المجاورة لداره واختفى فيها. وفتش الجنود الإنكليز داره دون جدوى. وقد ظل هو متخفيًا في دار آل الدفتري التي فتشها الجنود أيضا فلم يعثروا عليه. وشعر به محمود صبحي الدفتري قبيل العصر، فأتى له بالماء والطعام، وأخبر الجهات الوطنية عن وجوده؛ فرتبت تهريبه متنكرًا تحت جنح الظلام بأيدي عبد المجيد -كنه- وصحبه، كما رتبت تهريب يوسف السويدي ومحمد جعفر أبي التمن، ونقلوا إلى منطقة الفرات. وأيد لي هذه الواقعة بعد ذلك محمود صبحي الدفتري”([29]).
وقد تنقل (البازركان) في ساحات الثورة في الفرات الأوسط وشارك في جوانب منها، وكان شاهدًا على حادثة تفجير الباخرة (فاير فلاي) في (شط الكوفة) في (17/7/1920م)، وألقى في كربلاء خطبة معروفة في حفل تنصيب الثوار لمتصرفها السيد (محسن أبو طبيخ) في يوم الخميس (7/10/1920م)، ورفع علمًا للثورة فوق أحد مبانيها([30]). وعندما أوشكت الثورة على الانتهاء؛ توجه مع عدد من قادة الثورة في وسط وجنوب العراق إلى الحجاز عن طريق حائل، فوصلوا المدينة المنورة.
البازركان: مريضًا وراحلًا
أصيب (البازركان) سنة (1931م) بمرض (تشمع الكبد) أثناء عمله في الفرات الأوسط، واشتغاله بالإشراف المباشر على أمور الزراعة في تلك المناطق، وتقدير الحصص الحكومية منها. وقد استطاع التعايش مع مرضه هذا بفضل عنايته بصحته واحتياطه؛ ولكنه أصيب سنة (1953م) بتحطم فقرات في رقبته، فعرّضها للفحص بالأشعة العميقة؛ مما أدى إلى إصابته بسرطان الدم سنة (1957م)، وأجرى خلال الأشهر التي تلت ذلك عملية نقل الدم عدة مرات؛ حتى توفي -رحمه الله- في (20/10/1958م)، ودفن في مقبرة الشيخ (معروف الكرخي) بجانب الكرخ من بغداد([31]).
.
([1]) الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية، على البازركان، تحقيق ومراجعة: عماد عبد السلام رؤوف، وكتب بعض ملاحقه وحواشيه وأشرف على إعداده للنشر حسان علي البازركان، مطبعة الأديب البغدادي، بغداد، 1991م: 24.
([2]) ينظر: الوقائع الحقيقية، البازركان: 24، والبغداديون؛ أخبارهم ومجالسهم، إبراهيم الدروبي، مطبعة الرابطة، بغداد، 1958م: 145، التاريخ والمؤرخون، د. عماد عبد السلام رؤوف، دار الوراق، بيروت، ط 2، 2009م: 477.
([3]) الوقائع الحقيقية، على البازركان: 24.
([4]) ينظر: فصول من تاريخ التربية والتعليم في العراق، علي البازركان، مطبعة الأديب البغدادي، بغداد، ط 1، 1992: 25، والوقائع الحقيقية، البازركان: 20.
([5]) الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية، البازركان: 24.
([6]) ينظر: أعلام الوطنية والقومية العربية، مير بصري، دار الحكمة، لندن، ط 1، 1999م: 283.
([7]) ينظر: الوقائع الحقيقية البازركان، مطبعة أسعد، بغداد، ط 1، 1954م: 43_50، وفصول من تاريخ التربية والتعليم في العراق؛ ذكريات ووثائق، علي البازركان، إعداد وتعليق: حسان البازركان، مطبعة الأديب البغدادي، بغداد، ط 1، 1996م، وتاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني، عبد الرزاق الهلالي، شركة الطبع والنشر الأهلية، بغداد، ط 1، 1959م: 172_176.
([8]) من هؤلاء الخريجين: جعفر حمندي، ومحمد حسن كبة، ورؤوف البحراني، وصادق البصام، وعبد الرزاق الأزري، وعبد الهادي المختار، وجعفر خياط، وعبود زلزلة، وعبد الرزاق الحسني (المؤرخ المعروف)، وغيرهم. ينظر: تاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني، الهلالي: 176.
([9]) ينظر: لب الألباب، محمد صالح السهروردي، مطبعة المعارف، بغداد، 1351ه-1933م: 2/379.
([10]) التأريخ والمؤرخون، رؤوف: 477.
([11]) ينظر: الوقائع الحقيقية (الطبعة الأولى)، البازركان: 91_98، وتاريخ التعليم في العراق في عهد الاحتلال البريطاني، عبد الرزاق الهلالي، مطبعة المعارف، بغداد، 1975م: 217_218.
([12]) ينظر: تاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني، الهلالي: 212_213.
([13]) علي بن عبد الحميد آل بازركان رائد التعليم الإلزامي في العراق، جنان النعيمي: https://www.algardenia.com/terathwatareck/25231-2016-08-06-18-13-34.html
([14]) تنظر أفكاره وجهوده ووثائقه في هذا السبيل في كتابه: فصول من تاريخ التربية والتعليم في العراق؛ ذكريات ووثائق.
([15]) علي البازركان (1887-1958) ودور بغداد في ثورة 1920م، د. خليل إبراهيم العلاف:
https://ar-ar.facebook.com/ModernHistory.Ay/posts/760015127468960/
([16]) شي عن جمعية حماية الأطفال؛ تاريخ لامع من العمل الخيري، إياد يونس عريبي: https://almadasupplements.com/view.php?cat=15430
([17]) علي البازركان ودور بغداد في ثورة 1920م، د. إبراهيم خليل العلاف:
https://ar-ar.facebook.com/ModernHistory.Ay/posts/760015127468960/
([18]) المصدر نفسه.
([19]) التاريخ والمؤرخون، رؤوف: 399.
([20]) المصدر نفسه.
([21]) ينظر: تاريخ القضية العراقية، الشيخ محمد مهدي البصير، مطبعة الفلاح، بغداد، ط 1، 1342ه-1923م: 137، وتأريخ الأحزاب السياسية العراقية، عبد الرزاق الحسني: 20.
([22]) ينظر: تأريخ الأحزاب السياسية العراقية، الحسني: 20_21.
([23]) ينظر: تاريخ القضية العراقية، البصير: 137، وتاريخ الأحزاب السياسية العراقية، الحسني: 21، والأحزاب السياسية في العراق؛ السرية والعلنية، هادي حسن عليوي: 48.
([24]) البغداديون، الدروبي: 145.
([25]) موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، حميد المطبعي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1995م: 1/142.
([26]) ينظر: علي البازركان مؤرخ ثورة العشرين التحررية، نوري العاني، نوري، المؤرخ العربي، العدد 56، بغداد، 1418ه-1998م: 62.
([27]) من أحداث بغداد وديالى أثناء ثورة العشرين في العراق، البازركان، إعداد وتعليق: حسان البازركان، بيت الحكمة، بغداد: 292_296.
([28]) يوم (12/أب/1920م)، هو اليوم عينه الذي قتل فيه الشيخ ضاري المحمود القائد البريطاني (جيرالد لجمن) الذي أخبره قبل مقتله بقليل -متشفيًا- بخبر الهجوم على بيوت قادة الثورة في بغداد.
([29]) أعلام الوطنية والقومية، مير بصري: 284.
([30]) من أحداث بغداد وديالى أثناء ثورة العشرين في العراق، البازركان: 299_313.
([31]) ينظر: الوقائع الحقيقة، البازركان: 25، وأعلام الوطنية والقومية، مير بصري: 284.