الإنسانية ليست كالدين … ولا بديلة عنه

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

الإنسانية بمعناها المتداول قيمة كبيرة وخلق مطلوب للتعامل، لكنها مهما علت لن تساوي الدين فضلًا عن أن تتفوق عليه، بمعنى أن ما يعتقده غير الدينيين أو ما يحاول أن يروجه أعداء الدين تعويضا لوضعهم السايكولوجي والأخلاقي من أن اعتناق الإنسانية والمناداة بمعانيها وادعاء التمسك بقيمها هو مساوٍ للدين أو ربما يتسامى عليه أو يعوض عنه هو محض إرهاصات و تصورات نفسية “ان صدقت” ، وتخرصات وادعاءات “إن هي كانت كاذبة”

فالشعوب التي تتبع الإنسانية وتؤمن بها قد تعاملك بعنصرية أو عرقية ولن تشعر -هي- بأي ذنب أو تقصير تجاه الإنسانية بسبب أنها تعوض ذلك بالرفق بالكلاب والقطط، وبمساعدة المشردين في شوارع بلدانها أو بصرف الأموال التي جنوها من طرق مشروعة أو غير مشروعة على فقراء الأمم الأخرى في أحسن الأحوال وفي منظر ما نسميه اليوم “أعلى حالات الإنسانية” ، ونثني عليه.

فحتى هذا الإنفاق الذي هو أعلى درجات الإنسانية فعلًا لما يشكله من صعوبة على النفس لا يجرؤ عليها كل الأغنياء، فإنما هو إنفاق للحياة الدنيا والشعور بارتياح الضمير عند الصادقين القلائل منهم، أما أغلبه فهو لمآرب دنيوية أحلاها لفت أنظار الناس إلى كمية الإنسانية عند المنفق ،، وهو مرّ . قال تعالى  ﴿وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾.

فأنت تنفق للإنسانية لكن دون إيمان أو دين، فالغاية محددة أو مادية بحتة حتى وإن كانت خالصة لوجه الإنسانية دون مصالح، فالأمر يختلف جذريا عن ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فهؤلاء حققوا أمرين خطيرين عظيمين في آنٍ معًا هما رفد الإنسانية التي درت عليهم راحة البال والضمير، والدين الذي ساق إليهم الاطمئنان النفسي والاستقرار العقلي الشخصي من مصير ما بعد الموت وملاقاة الله واليوم الآخر. الإنسانية وحدها لا تحقق ذلك ولا توصلك إليه.

ولذلك ترى الفرق بين شعوب الانسانية وشعوب الدين -مهما حاول المنسلخون رفع أولئك و الحط من هؤلاء – أن في شعوب الإنسانية قد ترى واحدًا من كل مليون غني يساعدون الناس لغايات إنسانية وينفقون من أموالهم أو من أوقاتهم، بينما تجد في شعوب الدين وبالأخص دين المسلمين في كل ألف نفر منفقًا لوجه الله بالسر أو العلن، وفي كل مدينة من حواضر المسلمين الآلاف ينفقون من أموالهم ومن جهودهم وأنفسهم أحيانا، بل لا يكاد يخلو زقاق من أحد هؤلاء، فما الذي دفعهم يا ترى؟ إنه الدين وابتغاء مرضاة الله والنجاة في الآخرة عند لقاء رب العالمين . ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

أما الذي ينفق من غير دين فهو ﴿كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُواْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾ فالمنفق -منطلقا من الدين- لا يتوقف ولا يرجو في الدنيا مجدًا أو عوضًا وإنما دافعه ذاتي لذا تراهم كثر يتزايدون ولا ينقصون، وأموالهم ليست من مصادر الفنون “المحرمة” أو القمار أو الزوجات الغنيات أو أو مما نراه من “منفقي الإنسانية” ، ذاك أن  منفقي الدين قرؤوا قول الله تعالى ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، فمهما صدقت الإنسانية لن تأتي بدافع كهذا يثبت ويرسخ في نفوس أهل المال الحلال الذي جاء من جهد أو ميراث فيصرفه الديني دون تردد وعلى مصارفه التي وجهه الله إليها من زكاة وصدقات، أما الإنسانية -غير المتزاوجة مع الدين-ففي إبهاها ما سلف ذكره أما في أسوئها فهو إنفاق الحياة الدنيا وهؤلاء ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

ونتحدث عن دين ليس كأي دين، دين الإسلام الذي حث على كل عمل إنساني ونهى عن كل ما يضر الناس “خير الناس من نفع الناس” حديث شريف، ثم إن الدين قد ينجب الإنسانية ويقود إليها ولكن العكس لن يكون، فما سمعنا أن رجلا إنسانيًا وجد الدين من خلال عمله الإنساني أو اهتدى إليه -أقصد في تعاليمه الإنسانية التي اتبعها- ولكننا رأينا أن كل المتدينين الحقيقيين إنسانيون.

الله هو الذي خلق الإنسان وهو اختار له الدين منهاجًا ونبراسًا ودالًا على خير الدنيا والآخرة، ولم يقر له شيئًا اسمه “الإنسانية” عقيدة للتعبد والوصول إلى مرضاته تعالى بل من خلال الدين أمره أن يكون إنسانيًا ، نعم “إن لم يكن أخا لنا في الدين فهو نظير لنا في الإنسانية” وهذا أيضًا من هدي الدين، فخاطب الدين كل الناس ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وتكلم عن كل الناس ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

كذلك إن دفعتك شهوات نفسك لارتكاب المعاصي والإضرار بها سرًّا وبجسدك ونفسك دون أن تؤذي أحدا من الناس، فهل تمنعك الإنسانية! أم يعصمك الدين؟ فإذا كنت إنسانيًا فاتّبع الدين وإلا فلن تنفعك إنسانيتك وحدها بشيء إن كنت لا تؤمن بالله واليوم الآخر، فالله تعالى أراد التوحيد أولا والعبادة ثم الإنسانية وأخلاقها وقيمها، ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾

فالإنسانية كلها أمة واحدة ومأمورة أولا أن تعبد ربًا واحدًا، ثم يأتي بعد ذلك كل شيء تابعًا، فالناس جميعا أوجدهم الله الذي اختار لهم “هاديًا ومنهاجًا” الدين، وليس ميثاق جنيف أو معاهدة الحقوق فكل هذا من أفعال الإنسانية المحمودة نعم،  ولكن من وضع تلك المواثيق من الناس قادر أن ينتهكها ويكيلها بمكيالين إن غاب عنه وازع الضمير أو إن خلا إلى نفسه المريضة والشيطان دون رقابة أو حساب “من دين”، وهذا ما نلمسه في مصالح السياسة والدول، ففي لحظات تختفي الإنسانية وتغيب مظاهر العدل والعطف ولا ينفع المظلومين ميثاق ولا معاهدة، إلا الذين عاهدوا الله وواثقوه فلن يخلفوا ميثاقه لا في السر ولا في العلن، ولا في تحقيق المصلحة الدنيوية أو غيرها، فالدين يحكم الضمير دون تقلبات، وتسيطر النصوص الدينية الظاهرة الواضحة البينة على العقل دون انحرافات وتصورات، وتهيمن فكرة حساب اليوم الآخر ما بعد الموت على النفس والوجدان فتمنعها من الطغيان والظلم دون استثناءات، إذ أن مشوار المكوث في هذه الدنيا مع الأموال والبنين والجاه والحكم مهما طال فإنه قصير ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

فالناس مهما كثروا فهم عباد الله ومن عامة خلقه ولو شاء جعلهم أمة واحدة، ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ فالعبادة أولا والتوحيد والدين ثم تاتي الانسانية والقيم تلقائيا و امرا جبريا وشعورا وجدانيا لايتغير بتغير المصالح والاهواء ، اما ادعاء الانسانية او اعتناقها فلن يحقق كل تساؤلات الانسان ومخاوفه ، فالاصل العبادة والايمان والاقرار ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

فالحصر المستفاد من قوله: “إلا ليعبدون”  قصرُ علةِ خلق الله الإِنسَان والجانَّ على إرادته أن يعبدوه، وهو قصر إضافي كما يقول علماء اللغة والتفسير، وأنه من نوع “قصر الموصوف على الصفة”، وهو قصر مقلوب باعتبار مفعول “يعبدون” ، بمعنى إلا ليعبدوني وحدي، أي: لا يشركون بي غيري في العبادة، فهو رد الشرك وليس قصر غاية الخلق بالعبادة، “فإننا وإن لم نطّلع على غايات حِكَم الله تعالى وكامل حكمته من خَلق جميع  الخلائق، لكنَّا نعرف نصًا وعقلًا أن الحكمة من خلقهم ليست أن يعبدوا فحسب” ، لأن حِكَمه سبحانه وغاياته من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها لا يقتضي عدم وجود غيرها، انظر ذكر الله حِكمة أخرى للخلق غير تلك في قوله: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وهنا لابد أن يُفهم جليا أنني لست أعني بالدين هو سمة الوقوف في صفوف المصلين و السير في ركب المعتمرين الحاجّين، و إنما حقيق الدين بالتوحيد واتباع سنن المرسلين، وإلا فإن الموصوف بالمتدين يكون منافقًا أو موهومًا أو مخطئا لا يقاس عليه.

وبعد … فمهما كانت قيم الإنسانية عظيمة وسامية وجميعنا نطمح إليها ونلتف حولها لأنها ديمومة الناس، لكن تبقى معاييرها قابلة للتلاعب ويبقى معتنقوها عرضة للتردد أو التراجع ويبقى الثابت الآمر الناهي، هو الدين. فالحمد لله رب العالمين

Similar Posts