العقل والتصور بلا حدود سبيل الجنون أو الزندقة
الشيخ عبد المنعم البدراني
فإن للعقل حدودا، وهذه الحدود نسبية بين أرباب العقول، ومع وجود هذه النسبية فإن للعقول آفاقاً إذا تجاوزها المرء جُنّ أو تزندق وألحد أو تطاول على اللَّهِ تعالى أو رسله أو كتبه أو اليوم الآخر، لأنه أطلق العنان لعقله أن تخرق سُتُرَ الغيوب التي حجب اللَّهُ العقول عن إدراك حقائقها.
وأَمرَهُ أن يصدِّق بخبرها دون الخوض بكيفيتها أو كُنهها فالرسل على جلالة عقولهم وسعة معرفتهم وغزارة علمهم أوقفهم الله تعالى عند حدود هذه العقول وعند منتهى إدراكها عرفوا قدر عقولهم فلم يتجاوزها ولم يبالغوا في توظيف عقولهم فيما ليس من اختصاصه أو ضمن حدوده المعرفية المقيدة بأفق معين وإدراك معين وسعة معينة.
فهذا كليم اللَّهِ تعالى ومصطفاه موسى عليه السلام حين طلب ما لا تدركه العقول لقّنه ربُّه درساً بليغاً في ميدان توظيف العقل البشري حين قال:((رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ))
قال له ربه:((قَالَ لَن تَرَانِي)) ثم أعطاه درسا مشهودا ليعلم موسى حدود المعقول وحدود غير المعقول فقال جل وعلا:((وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) سورة الأعراف
وهذا سيد الأولين والآخِرين مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم ينهاه ربه أن يتتبع ما لا يدركه العقل وحده إلا بوحيٍ من ربِّه جل وعلا فقال عز من قائل:((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ))سورة الإسراء.
وحينما سأله اليهود عن الروح قال له ربه جل وعلا:((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) سورة الإسراء
فإذا كان الرسل لا يطلقون العنان لعقولهم فيما ليس لهم به علم من عند ربهم فغيرهم أولى أن يحترم حدود عقله وألا يخوض بما لم ينزل به اللَّهُ سلطانا، حفاظا على سلامة العقول من الشطط والزندقة والضلال والتقوُّل على الله ورسله بما لم يأذن له الله.
فمن الناس من أنكر عذاب القبر، لأن عقله لا يحتمل ذلك، وفاته أن هذا العذاب أو ذلك النعيم هو من أحكام البرزخ التي لا تُستوعب بالعقل دون النقل، فإذا صحَّ النقل سلَّم العقل وإن لم يستوعب كيفَ ذلك الخبر أو حقيقته أو كُنْهه.
وأما دور العقل فهو مناط بالاجتهاد فيما يسوغ فيه النظر والاستنباط من الأدلة الحكمية في الحياة والأحكام الشرعية.
فائدة وتأمل
قوله تعالى في سورة الاحزاب:((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46)
وفيها جملة من المسائل:
الأولى: قوله تعالى:((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا))
وشهادة رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نوعان:
شهادة عامة:
لجميع الأنبياء والمرسلين بأنهم أدوا الأمانة، ونصحوا أُممهم وبلّغوا الرسالة ومنه قوله تعالى في سورة النساء:((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)
وشهيد كل أمة رسولها، فهم شهداء على أُممهم والرسول مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم شاهد لهم وشاهد على أممهم.
والشهادة الأخرى هي:
خاصة على أمته ومنه قوله تعالى في سورة البقرة :((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ)) الآية 143.
فأمةُ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم شاهدة على بقية الأُمم لما معها من الوسطية والاعتدال والقسط والإنصاف، ورسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم شاهد على هذه الأمة بأنه بلغها الرسالة، وأدى إليها الأمانة، وأسدى إليها النصيحة، وجاهد في سبيل إكمال الدين والشرعة، فهي إذن الأمة الخاتِمة التي تتحمل مسؤولية رسالة السماء الخاتمة التي بُعث بها سيد الأولين والآخِرين مُحَمَّدٌ صلوات ربي وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.
المسألة الثانية: قوله تعالى :((وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)
فالنبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يُرسَل بالبشارة وحدها، وكذلك لم يِرسَل بالنذارة وحدها، إنما أُرسل بهما معا وفي ذلك رَدٌّ على طائفتين مبتدعتين في الإسلام:
الأولى: المرجئة الذين عبدوا اللّهَ تعالى بالرجاء وحده فشهدوا لمن ترك العمل مطلقا بالإيمان واكتفوا منه بالقول أو بالإيمان القلبي أو بهما معا.
الثانية: الوعيدية الذين عبدوا اللّهَ تعالى بالخوف وحده وهم الخوارج والمعتزلة الذين كفروا صاحب الكبيرة وهم الخوارج، أو انزلوه منزلةً بين المنزلتين فلا هو مؤمن ولا هو كافر وهم المعتزلة، وَكُلُّ ذلك باطل وبدعة في الاعتقاد.
يقول الشيخ عبد القادر الگيلاني رحمه اللَّهُ تعالى:”طِرْ إلى اللَّهِ بِجَناحيْ الخوف والرجاء “
قلت: ومن طار بأحدهما فقد هوى في أودية الضلالة والزيغ والبدعة والهوى.
المسألة الثالثة: قوله تعالى :((وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ)) وهذه هي مهمة الرسل، ألا وهي دعوة الناس إلى اللَّهِ لا إلى غيره، ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، لا في إلهيته، ولا في ربوبيته، لا في شرعه ولا أمره ونهيه، ولا في حكمه.
والدعوة إلى اللَّهِ تعالى هي أشرف مهمة ولذلك أُوكِلتْ إلى أشرف خلقه ألا وهم الأنبياء والمرسلون ومن سار على خطاهم واهتدى بهديهم ولذلك قال اللَّهُ تعالى في سورة فصلت :((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
فقوله تعالى :((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ))؟ هو استفهام تقريري وجوابه:لا أَحَدَ أَحسَنُ قولاً مِمَّن دعا إلى الله.
المسألة الرابعة: قوله تعالى :((وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ)) والإذنُ هنا هو الإذن الشرعي الديني الذي يحبه اللَّهُ ويرضاه لعباده ويُشَرِّعُهُ ديناً وهدياً ومنهاجا.
وفيه دلالة على أن من دعا إلى اللَّهِ على منهج الرسل فبإذن اللَّهِ تعالى له، فضلاً منه ونعمةً يمنُّ بها على من يشاء من عباده المصطَفيْن الأخيار.
المسألة الخامسة: قوله تعالى :((وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)) اي مصباحاً مضيئاً الطريقَ للسالكين ، فأظهر اللَّهُ به الحقَّ وأزهق به الباطل، وأظهر به التوحيد وأزهق به الشرك، وأظهر به الهدى وأزهق به الضلال، ودلَّ به الى الخير، وحذَّر به من الشر ، وأخرج به الناسَ من الظلمات الى النور
صلوات ربي وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.