الفضل والمِنَّة من اللَّهِ بإتباع السُنَّة
الشيخ عبد المنعم البدراني
إن من فضل اللَّهِ تعالى على أمة مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم أن جعل الحسنةَ بعشر أمثالها.
ولما كان للصوم من مكانة مرموقة عند اللَّهِ تعالى، فقد سنَّ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم لأمته صيام الدهر كله أي العمر كله للمسلم وذلك من طريقين:
الأول: صيام رمضان مع ستة شوال مع شهر رمضان فذلك36يومافي عشر حسنات صار المجموع 360حسنة وهي أيام السنة. الهجرية فاذا كررها كل عام فقد صام عمره كله.
الثاني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الليالي البيض فكأنما صام الشهر كله فإذا كررها كل شهر فكأنما صام السنة كلها فإذا كررها كل سنة فكأنما صام عمره كله.
وعلى هذا الفهم يكون معنى نهيه صلى اللَّهُ عليه وسلم عن صيام الدهر، أي على وجه الحقيقة، أي يصوم المرء أيامه كلها من غير إفطار.
مسألة: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(إن أفضل الصيام صيام داود: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) رواه الشيخان
وهذا يعني أن سيدنا داود عليه السلام كان يصوم نصف الدهر،
فهدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هدي نبي اللَّهِ داود عليه السلام.
لأنه صلى اللَّهُ عليه وسلم وبصيامه ثلاثة أيام من كل شهر فإنه قد صام الدهر كله.
وصدق رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حين قال:( وخير الهدي هدي مُحَمَّدٍ) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
مسألة:
فإن قيل فماذا تقول بقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(خير الصيام صيام داود)
قلت: قول النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم له مدلولان:
الأول: قالها صلى اللَّهُ عليه وسلم تواضعاً، وله نظائر في السنة.
ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(من قال: أنا خيرٌ من يونُسَ بنِ متَّى، فقد كَذَب) رواه الشيخان.
وهو صلى اللَّهُ عليه وسلم قال:(أنا سيد ولد آدم). رواه الإمام مسلم في صحيحه.
ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم لرجل جاء إليه فقال: يا خيرَ البريَّةِ ! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ” ذاك إبراهيمُ عليه السلامُ ” .رواه الإمام مسلم في صحيحه وغيره.
ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(لا تخيروني على موسى) رواه الإمام البخاري في صحيحه.
فكل هذه الأحاديث تنم عن تواضعه صلى اللَّهُ عليه وسلم، وإلّا فهو _بأبي هو وأمي وروحي وولدي_ أفضل الأنبياء والمرسلين وأعلاهم قدراً عند اللَّهِ تعالى، وأكملهم هدياً وشرعةً ومنهاجا.
وكذلك يُحمل النهيُ عن تخييره بين الأنبياء على حساب الانتقاص من أحد منهم، وهو سبب ورود قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(لا تخيروا بين الأنبياء) رواه الإمام البخاري في صحيحه، وذلك حينما لطم المسلمُ يهودياً أقسم فقال: “لا والذي فضل موسى على البشر” ثم قال المسلم: “لا والذي فضَّل مُحَمَّداً على البشر” فغضب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في هذا الموضع لأن فيه نوع انتقاص من موسى عليه السلام، وهو سبب الغضب، وليس السبب هو تفضيله على موسى عليه السلام.
الثاني: أنه فضلَ صوم داود عليه السلام باعتبار أن من فعل فِعٔلَ داود عليه السلام من أمة مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقد صام الدهر خمس مرات بإعتبار أنه سيصوم 180يوما في السنة في عشر حسنات صار المجموع 1800حسنة تقسيم 360 يوماً تكون النتيجة 5.
مسألة:
فإن قيل هذا يعني أن صيام داود أفضل من صيام النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم.
قلنا :
هذا ليس بمستقيم أيضاً، باعتبار أن الحسنة بعشر امثالها فذلك من خصائص النبي مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم وأمته حصراً دون بقية الأمم السابقة…..
وهذه الأمة لها خصائص لا تشاركها فيه أمة أخرى، مثل قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(((إن اللّهَ تـجاوز لي عن أمتي الـخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))حديث حسن رواه البيهقي وغيره.
فقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:((إن اللهَ تجاوز لي)
أي إكراماً وتقديرا.
وقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(عن أمتي) يفيد الخصوصية ولو كان الحكم عاما لما صار فيه إكرام ولا تقدير.
وكذلك قوله تعالى: ((مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ ))
الاية 160من سورة الانعام
فهذا من خصائص هذه الأمة المرحومة إكراماً لخير البَرِيَّة مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم.