التذكرة في الخطوات والفكرة

بقلم : أ. حارث الأزدي

إذا حاولت نسيان أمر فأنزله على الورق سترتاح قليلًا من الأرق، وتتكل بعد ذلك أنك حفظته في مكان غير ذاكرتك، ومن هنا جاءت فكرة محاولة النسيان في تثوير الفكرة وإن كانت خطواتها مُرَّة.

في ثمانينيات القرن الماضي كانت صحوة يسري ضوؤها من أقصى المغرب وحتى أدنى المشرق، بحرارة إيمان تبعث في الواقع المرير الذي كنا نعيشه دفءًا وحياة نسعد بأنا كنا من دلالاتها بل إن أحدنا كان يغفو على وسادته ليحلم أن صباحا منتصرا للأمة سيشهده عند استيقاظه، وهناك حيث كنا نعيش الأمل واقعا ضمني مجلس تحت ظل أبي رحمه الله مع شخص متفلسف متشدد سمع بنا وسمعنا به فقال لولا نكون في صعيد واحد فلعلنا نلتقي أو أننا نفترق على دراية وبصيرة، فأجابه الوالد رحمه الله إلى ما يريد وجلسنا رفقة شهود وأعيان وأصحاب رؤية من علية القوم، فبادر الشاب المتفلسف هات ما عندك مخاطبًا الوالد فقال له أنت من طلبت المجلس والحديث فليكن ما تريد إتحافنا به أولًا حاضرًا بيننا وخذ وقتك وأحضر نصوصك واستعن بمن تريد فلسنا هنا للخصومة أبدا وإنما نبتغي وجه الله كي نصل إلى الحقيقة فأخذ هذا الشاب بعد الحمد والصلاة والسلام على النبي يسرد علينا نصوصا كثيرة ويعتني بمصادرها ورواياتها ويحاول جاهدًا تفسير غوامضها بل زاد على ذلك بأن أضفى عليها شيئا من أفهامه فبدا كأنه يريد القول بأن فهمه دليل على صدق هذه الروايات وأنا كنت أنظر إلى وجه والدي مرة وإلى وجه هذا المتحدث مرات فدخل في روعي أن هذا الشاب تمكن من موضوعه وأتقن طريقه ورسم خطا مستقيما بينه كنقطة وبين هدفه بأقصر ما يمكن أن تعبر عنه علوم الهندسة والميكانيك فمن مقراراتها أن الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين.

وما أن فرغ هذا الشاب من مقالته حتى فاجأه الوالد بفهم عميق وقول فصيح لم يكن يتوقعه من رجل كبير، فوضع تعريفات وحدودًا يبدو أن هذا الشاب لم يعهدها من قبل فهو من جماعة المقاييس المترية البعيدة عن المنطق والعقل فسحب البساط من تحته بعد أن كان فرحًا بما لديه متوهمًا أنه واقف على أرضية … قال الوالد: ليس لدينا أدنى شك في النصوص التي أوردتها ولا بد من الفهم أولا أن ليس كل من امتلك نصًا امتلك فهمًا ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ولكننا مختلفون جدا في توصيفك للمجتمع الذي أسقطت عليه هذه النصوص فمنهجك الإقصائي ونمطك المُفاصلي حفر خندقا بينك وبين أمتك فنحن أمة لا إله إلا الله ولسنا كفرة، نعم الأمة يضعف دينها ويخلق إيمانها ولكنه يتجدد، ويعود إلى الحياة ولكن ليس بهذا الأسلوب العدائي المارق ثم دار الحديث عن معالم نهضة الأمة وسبل نهضتها وكيفية رعاية علمائها لأبنائها فدهش الشاب من طريقة جريان الحديث في طريق غير الذي رسمه في مخيلته فهو قد تعود بعد أن كان يعد نفسه عمدة في قراءة النصوص وتفسيرها مع أنه غير مختص ولم تكن له علمية يعتد بها سوى أنها قراءات فردية تعلمها بين دفتي كتاب من دون كاتبه فتعرف إلى علم من دون عالم وقديما قيل: من كانت شيوخه كتبه كثر خطؤه.

يُخيل إليَّ وبعض الخيال لا يصح ولا يقع، أن هذا الفهم الشبابي وغيره كان له أثر في صياغة المراحل التي تلت هذه المرحلة وتوجهاتها فكانت خطوات عشوائية تشظت إلى خطوط مزقت الجهود وصار كل حزب بما لديهم فرحون. ولمزيد من التفصيل في هذا الميدان أن هذا الشاب الذي كان شعلة في حفظ النصوص للجدال والمناكفة والظهور، نكص على عقبيه وترك ما كان عليه ميممًا نحو مساحة بعيدة عنها ليتبنى أبشع صورها، وأذكر من باب الأسى والأسف أني ذكرته عند أحدهم فعرضت على هذا الأخ من باب الاستشارة أن أتقرب إليه وأحدثه لعله يعود عما هو عليه ويكون معنا أو يتقرب إلينا وفي أقل الأحوال تتنوع مصادر المعرفة عنده، فقال لي صاحبي إياك إياك أن تفعل فقد يجرك إلى ما هو عليه، فحزنت على نفسي لظن صاحبي بي بأني متأرجح اليقين، غير متمكن من الثبات على ما آمنت به، وهو تماما ما نعانيه اليوم ممن درسوا وتخصصوا ولكن بعيدًا عن الفكرة الجامعة التي ينبغي العمل من أجلها، بممارستهم الإشراف الأبوي المتسلط، فكثير ممن يدورون الآن في البال ساعة كتابة المقال يمكن تسميتهم الباحثون عن الصدارة دون اكتمال الفكرة.

وفي الجانب الآخر كانت دعوة اتخذت من المساجد مساحة لها برصد ورعاية نشء جديد ليتربى على أسلوب الدعوة بالحسنى واليسر والميسرة والأخلاق الحسنة واعتمدت هذا الطريق أسلوبا في الترقي من مرحلة إلى أخرى ولكل مرحلة منهج في التناول والدراسة والحلقات الدعوية فأخرجت شبابًا منتميًا للمنهج الرباني ولكنه أيضا كان غير متخصص في العلوم الشرعية فهو عالة على غيره في العلم والتعلم لديه فكرة تنقصها أدوات التنفيذ، فهي مجموعة لطيفة وادعة تنشر الأدعية وتتلطف مع الناس وتحاول التخفيف عنهم وهذه أشياء طيبة لكنها ليست التصور الكامل لما هو مطلوب، وحتى طريقة الصدارة عندهم كانت تعتمد على التخصصات العلمية لا الشرعية ولا أعلم السر وراء ذلك، فتكررت صورتهم بعد سنوات بأنهم أشبه شيء لطريقة التدريب في ورات التنحية البشرية أقصد التنمية.

في حين كان هناك منهج معوج منسلخ من كل علامات الإرشاد وتحديد السرعات والتحذير من المطبات، ترتسم خطوطه من باب الصدارة وعد السنوات في الكليات الشرعية فصار الشاب يتعلم العلم لغير دين الله ليكون موظفا وأسيرًا مملوكًا تسيره الأهواء والمصالح والمنافع أينما يجدها يكن عبدها، ومما ساعده على ذلك مميزات وخصائص ولباس يتميز به عن غيره فصارت له حقوق التحدث بالدين دون غيره ولا أحد يجرؤ على رده لأنه سيكون عند ذلك ممن يسيؤون إلى العلماء، وأغراه في ذلك علوّه ثلاث درجات منبرية على المتلقين.

كان عدد الخطباء المؤثرين في بغداد قليلًا لا يتجاوز عدد أصابع اليدين من مختلف التوجهات الفكرية والدعوية والحزبية والمنهجية وكان لكل منهم رواده وأتباعه وغالبًا ما يكون عرضة للاعتقال والتنكيل إن هو تجاوز الخطوط الحمراء في خطبه أو تعرض بالنقد لفكرة تريد الدولة حينها تسويقها، وهؤلاء منهم من ثبت ومنهم من رأى طريقًا غير الذي كان ينادي به من على المنبر، ولعمري قد تكون الصدارة هي من كانت تدفع بعضهم للحديث بالممنوعات أو المحذورات، وبقي الحال هكذا حتى بدأ الالتفاف بجوامع ذات بهجة فيها منزل فاره ملحق بها ومكتبة عامرة للوجاهة والرفعة ومجالس تضم التجار والضباط والشخصيات العامة في المجتمع فتم تدجين هذا المنبر إلى حيث السكوت عن المحذور ثم السكون والاستكانة وطلب الرضا ممن كان المنبر يقض مضاجعهم ويقلقهم.

إن تجربة العمل الذي يندرج تحته ما تحدثنا عنه سابقا يعد في عرف بعض المحللين والمراقبين من أفشل التجارب وأشنعها في المنطقة على الإطلاق، فلا هي مثل الأصل ولا هي ابتكرت طريقة تناسب وضعها في العراق لتكون قوة ومنعة لمن ينتمي إليها بدءًا من الأحزاب السياسية ذات الطابع المتدين ومرورا بالتيارات المتنوعة بين العلمية والدفاعية والخارجية والدخولية وغيرها وكذلك حركات الزهد والرقائق بشتى صداراتها وأشتات أتباعها ناهيك عن تجمعات ساذجة كانت سببًا رئيسًا سيئًا في تخذيل الأمة وقطع طريق وصولها إلى النور.

لقد أفسد الجهلة والمتصدرون التافهون كثيرا من المحترمات، الشهادة الجامعية، والدعوة والخطابة، ففقدوا بذلك الصدارة بحق والتربية والإخلاص حتى بات من يتعامل بهذه المعاني العالية غريبًا في هذا العصر، فالبطل بعرفهم اليوم من يرتب خطواته متناغمة مع ما يريد المتحكم غلبة أو منصبًا أو مالًا وتمويلًا.

كل هذا كان قبل الاحتلال أما بعده فقد تمايزت الصفوف وسقطت الأقنعة وانصرف كل إلى غايته التي يسعى إليها ولكن هذا المرض العراقي امتد وتشعب إلى إفرازات ما بعد 2003 ولم تكن جهة منها استثناء إلا ما رحم ربي ولعلني لا أنسى أن أكَّر الأمة موقنة بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”.

Similar Posts