تطهير من الجنان من صفةٍ ذمها اللَّهُ تعالى في القرآن
الشيخ عبد المنعم البدراني
إنها صفة البخل قال الله تعالى :((وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ))سورة الليل
أي بخل بماله واستغنى به عن ربه وعن الثواب الذي أعده للباذلين مالَهم في سبيله.
وقوله تعالى:((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ)) 37من سورة النساء
وهؤلاء أعظم جُرْماً من البخيل لذاته فهم يأمرون الناس بهذا المنكر وينهون عن ضده من المعروف الا وهو الجود والكرم والسخاء
وقوله تعالى :((هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ)) 38سورة مُحَمَّد صلى اللَّهُ عليه وسلم
وهنا بين اللَّهُ تعالى أن البخيل قد بخل على نفسه في حقيقة الأمر لأن اللّهَ تعالى غني عنه وعن ماله ولذلك قال اللَّهُ تعالى بعدها:((وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ)).
ومن جنس البخل هو الشُح ومنه قوله تعالى:
((أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ)) 19سورة الأحزاب
وهو وصف اللَّهِ تعالى للمنافقين في بخلهم على المعوزين من المؤمنين
ولذلك قال الله تعالى بعدها :((أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ))
فالبخل من صفات المنافقين
ولذلك قال الله تعالى:((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر: 9
وكان النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم يتعوذ باللَّهِ من البخل كما قال صلوات ربي وسلامه عليه :(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ))
فقرن النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم بين البخل والجبن لأنهما فعلان من جنس واحد فهذا بخيل بماله، والجبان بخيل بنفسه عن ربه، ولذلك قرن اللَّهُ تعالى بين النفس والمال في الجهاد في سبيله فقال عزَّ مَن قال في سورة الحجرات:((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)
فشهد اللَّهُ تعالى لهم بالصدق فيما ادَّعوه من إيمان بعد أن جاؤوا بمصداقيته وهو:((وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15).
فائدة
حكم خاص يُعَمَّم وحكم عام يخصص
من القواعد الأصولية: أن حكماً خاصاً له حكم العموم، نحو قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(المسلمُ من سَلِم المسلمون من لسانه ويده) وهذا على وجه التخصيص وليس على وجه التقييد، فإلحاق الأذى بكل انسان مسالم مُحَرَّمٌ شرعاً وديناً، سواءٌ أكان مسلماً ام كافراً، ولكن قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم من سَلِم المسلمون) يراد به على وجه الخصوص، وهذا مثل قول بعضهم: لا تؤذوا الجيران، وخصوصا بيت عمك، وذاك لحق الرحم، فكذلك دعوة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لأن يسلم المسلمون من لسان المسلم ويده، وذلك على وجه الخصوص لحق الإخوة في الدين.
وكذلك هناك عموم يخصص ولا يراد منه التقييد أيضا ومنه قوله تعالى في سورة المائدة:((مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
فقوله تعالى :((مَن قَتَلَ نَفْسًا)) يفيد العموم لأن :((نَفْسًا)) نكرة في سياق الشرط، وهذا العموم مخصص بقوله تعالى في سورة النساء: بقوله تعالى:((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)
فحرمة قتل المؤمن مخصصة بهذه الآية وليست مقيدةً بوصف الإيمان، إنما حكم الحرمة عام لكل نفس منفوسة سواءٌ أكانت مؤمنة ام كافرة مسالمة، ولكن الخصوصية للنفس المؤمنة.