من أعلام الإصلاح في العراق (محمود الملّاح) -8-

بقلم : الدكتور مثنى حارث الضاري

هو: محمود بن عبد الله بن يونس الملّاح، الحمداني. و(الملّاح)، نسبة إلى مهنة تجارة الملح التي كانت تتعاطها عائلته.ولد في محلة (باب لكش) في مدينة (الموصل) سنة (1309هـ -1891م)، وتلقى العلوم الأولية والقرآن الكريم أولًا، ثم شرع في الدرس وأخذ العلوم الشرعية وعلوم اللغة والأدب العربي على عدد من علماء عصره، فدرس على يد الشيخ عبد الله النعمة -رحمه الله-في مدرسة (العراكدة)، وكان أكثر درسه عليه، ونال الإجازة العلمية منه سنة (1912م)، وقرأ قسمًا من (مغني اللبيب) على الشيخ القاضي (عثمان الديوه جي) -رحمه الله-في المدرسة (العمرية)، وأخذ أيضًا عن الشيخ (محمد الرضواني) -رحمه الله-في مدرسته. وحسب ما نقل عنه فقد كان معه في الدرس عند الشيخ النعمة زميلان هما: (ضياء يونس) و(شيت خطاب) والد اللواء محمود شيت خطاب -رحمهم الله جميعًا-، وأن (شيت خطاب) قد سمى ابنه الأول (محمود) على اسم محمود الملّاح، وسمى ابنه الثاني (ضياء) على اسم ضياء يونس؛ وفاءً للزمالة التي جمعتهم. وسجل (الملّاح) بعد مدة من مكثه في بغداد، في (مدرسة الحقوق) ودرس فيها شهورًا، ثم تركها بعد أدائه لامتحانها العام. الملّاح: عاملًا وناشطًا في الحياة العامةعُيّن (الملّاح) الشاب موظفًا في (قلم تحرير) ولاية الموصل، وبقي في وظيفته بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى (مجندًا)، حتى انسحاب القوات التركية بعد توقيع الهدنة. ثم عمل مدة مدرسًا متطوعًا في مدرسة (دار النجاح الأهلية) التي أنشأتها جمعية (جامعة الآداب)، التي أسسها الأديب الوطني المعروف (محمد رؤوف الغلامي)، ودرّس (الملّاح) فيها مادتي الجغرافية والتاريخ. وسافر بعد ذلك إلى سورية سنة (1919م)؛ تحدوه رغبتان -حسب ما يذكر مؤرخو حياته- الأولى الوقوف على آثار الشيخ (عبد الرحمن الكواكبي) في حلب، الذي كان متأثرًا به كثيرًا بفضل شيخه (النعمة) الذي عرفه عليه وعلى كتبه ، والثانية المشاركة في خدمة الحكومة العربية في سوريا (حكومة فيصل)؛ فعُيّن موظفًا في مجلس إدارة ولاية (حلب)، وكان مدير التحرير في المجلس وقتها (إبراهيم هنانو) الذي رثاه الملّاح عند استشهاده سنة (1935م) .وعند سقوط الحكومة العربية على يد الفرنسيين، بقي مدة في عمله، ثم تركه عائدًا إلى العراق سنة (1922م)، فذهب أولًا إلى الموصل، وبقي فيها عدة أشهر ثم انتقل إلى بغداد، التي عمل فيها مدرسًا خاصًا للغة العربية مدة، ثم عُين رئيسًا لكتاب مجلس النواب سنة (1925م)؛ ولكنه لم يلبث في هذه الوظيفة إلا أيامًا قليلة وتركها. وعمل بعد ذلك مدرسًا في عدد من المدارس الخاصة، ثم في المدرسة الثانوية الرسمية للسنوات (1925-1928م)، ثم اختير معلمًا للغة العربية في (المدرسة العسكرية)، ومكث فيها سنتين (1931-1933م). انتخب نائبًا عن (لواء الموصل) في مجلس النواب في شهر كانون الأول من سنة (1937م)، وبقي (14) شهرًا فقط؛ فقد حُل المجلس في شهر شباط من سنة (1939م). اعتزل (الملّاح) الحياة الوظيفية بعد خروجه من مجلس النواب، واختار الاستقرار في بغداد، معتكفًا في منزله في محلة (السعدون) بجانب الرصافة، وانقطع فيه عن الناس، فلا يزوره فيه إلا “نفر يسير من أقرانه وأصدقائه”، وشغل وقته بالقراءة والبحث، ونظم الشعر، والتأليف والتصنيف، فضلًا عن الكتابة للصحف والمجلات، والعناية بمجلسه الثقافي والأدبي الأسبوعي في منزله. وعند النظر في تواريخ نشر مؤلفاته نكتشف أنها قد كتبت جميعًا في سنوات الاعتزال هذه.الملّاح: البغداديكان لمـُقام (الملّاح) في بغداد تأثيره الكبير فيه، كما كان له هو الآخر أثر كبير في حياتها الثقافية وسوحها العلمية. وقد نبه أحد مؤرخي حياته على هذا التأثير (البغدادي) في الملّاح (الموصلي)، قائلًا: “تفتحت قريحته بعد قدومه إلى بغداد واتصاله بمحافلها الأدبية والوطنية… وشارك في الندوات والحفلات وأنشد في الموالد النبوية ومواسم المعهد العلمي. وكان صوته ينطلق في كل مناسبة سانحة ينعى على الأمة العربية تشتت كلمتها وتمزق شملها”.وقد ارتاد (الملّاح) مجالس بغداد العلمية والثقافية -وما أكثرها في زمانه-فجالس جميل صدقي الزهاوي، وكان معجبًا أولًا وكتب فيه شعرًا، ثم ردَّ عليه آخِرًا في قصيدة مشهورة بعنوان (نزغات الزهاوي)، وحضر مجالس: الشاعر معروف الرصافي، والمفكر والأديب فهمي المدرس، والعلامة طه الراوي، والمؤرخ عباس العزاوي، والأديب والصحفي عبد اللطيف ثنيان، وربطته علاقة بالأب (أنستاس الكرملي)، ونشر عددًا من المقالات في مجلته (لغة العرب). وحضر الملّاح في بغداد أيضًا لقاء المصالحة المشهور بين الرصافي والزهاوي، الذي عقده عبد العزيز الثعالبي في بيته، وكان من الحضور فيه أيضًا الشيخ (عطا الخطيب).وعقد (الملّاح) في سنوات لاحقة مجلسًا أسبوعيًا معروفًا في منزله في منطقة (البتاويين)، واضب على حضوره عدد من مثقفي بغداد وأدبائها من أصدقاء الملّاح ومحبيه، ومنهم: طه الفياض العاني، ومحمد صالح العبيدي، وجعفر مال الله، وعلى البصري، وحميد المحل، وسعيد عباس الراشدي، والشيخ يونس إبراهيم السامرائي.الملّاح: الكاتب والمساجِلامتلك الملّاح -رحمه الله-قلمًا واعيًا وسيالًا؛ بل قل سيفًا صقيلًا مشرعًا؛ فأكثر من التأليف النافع في مجالات عدة وفنون متنوعة، فكتب في اللغة والأدب والتأريخ والعقيدة والفرق والفكر والتراجم، وناظر وساجل وردّ وانتقد وتعقّب وعلّق كثيرًا. وقد أتاح ذلك له بناؤه العلمي المكين على يد شيوخه ولاسيما (عبد الله النعمة) الذي أخذ عنه اللغة والأدب فبرع فيهما، وتشبع بأفكاره الإصلاحية، فانطلق مطبقًا لها على الواقع، الذي اصطدم به لاحقًا ثم اعتزله.فكتب في الأدب والشعر والنقد: (عبد الباقي العمري؛ سياحة فكرية في ديوانه الترياق الفاروقي) و(مقدمة ابن خلدون؛ دراسة ونقد) و(نظرة ثانية على مقدمة ابن خلدون) و(دقائق وحقائق في مقدمة ابن خلدون)، وكتب في الدراسات القومية: (تاريخنا القومي بين السلب والإيجاب)، و(الآراء الصريحة لبناء قومية صحيحة)، وكتب في تأريخ الفرق وعقائدها: (حقيقة إخوان الصفا) و(البابية والبهائية) و(النحلة الأحمدية وخطرها على الإسلام).ورد وناقش وعلّق في كتبه: (تحذير المسلمين من المتلاعبين بالدين) و(الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد) و(حجة الخالصي: مناقشة الخالصي في بعض آرائه) و(تعليقات وحواشي على كتاب ابن سينا، لرحيم صفوي) و(تشريح شرح نهج البلاغة) و(تعليقات على كتاب إثبات الوصية لابن المطهر) و(الرزية في القصيدة الأرزية) و(المجيز على الوجيز) و(خطاب إلى صاحبي السماحة: محمد حسين آل كاشف الغطاء، ومحمد مهدي الخالصي). وله في التراجم: (قائد الحج الأكبر)، ومقالاته التي كتبها في جريدتي (السجل) و(الفتح) عن الشيخ (عبد الله النعمة)، ونشرت لاحقًا بعنوان: (التحديث بالنعمة من حياة الشيخ الكبير الأستاذ العلامة عبد الله محمد جرجيس النعمة). فضلًا عن رسائل لم تنشر بعد، وكثير من المقالات التي كان ينشرها في الصحف والمجلات، ومازال قسم لا بأس به منها لم يجمع وينشر حتى الآن، وتعليقات أثبت قسمًا منها على صفحات الكتب التي كان يقرؤها، واطلع عليها القائمون على مكتبة الأوقاف العامة في الموصل التي أهديت لها مكتبته بعد وفاته.وبعد: فقد كان (الملّاح) قويًا وجريئًا في كتاباته، ومندفعًا في أحيانٍ كثيرة، وحادًا ومتخذًا النسق الأبعد في لغة الخطاب والصوت الأعلى في لهجة التحاور، وبما يقطع أحيانًا طريق العودة، ويؤثر على بعض المواقف بالسلب، ويتغاضى عن بعض المقتضيات الضرورية لإنجاح رسالته ونصرة قضيته. وشفيعه في ذلك صدقه وطموحه، وأيضًا بعده عن الخلطة بالمردود عليهم؛ الأمر الذي يجنبه بعض محددات الخطاب وطرائقه المعهودة.الملّاح: الأديب والشاعرنشر (الملّاح) كثيرًا من شعره في الصحف والمجلات العراقية، نحو: العراق، والاستقلال، والبلاد، والزمان، والهداية الإسلامية، والإخاء الوطني، واليقين، ولغة العرب، والحاصد، وغيرها، وشارك عددًا من شعراء الموصل في نظم أناشيد عربية للأطفال، طبعت بعنوان: (الأناشيد الموصلية) واعتنى بطبعها (محمد سعيد الجليلي) “في كتاب كان له أثره في خلق جيل يؤمن بعروبة الموصل” كما يقول أحد المعتنين بمؤلفاته.ونشر له الباحث التونسي (محسن الحبيب الجميلي) -كاتب أول دراسة أدبية عنه-عدة قصائد في كتابه (الملّاح الشاعر)، وشهد فيه شهادة مهمة بقوله: “أسجل هنا بكل أسف أنَّ الشاعر (الملّاح)، لم يُمنح القيمة اللازمة له في عصره، وما زال شبابنا لا يعرفه”. وكذلك فعل (مير بصري) الذي نشر قسمًا من شعر الملّاح في كتابه (أعلام الأدب في العراق الحديث)، الذي أطال فيه النفس في ترجمتها له، ونقل كثيرًا من المعلومات عنه شخصيًا؛ حيث جاءت الترجمة في (21) صفحة، استغرقت الاستشهادات الشعرية منها قرابة ( صفحات.وللملاح مطارحات شعرية كثيرة مع عدد من أصدقائه الشعراء، أثبت قسمًا منها صاحب كتاب (الروض الأزهر)، ومن هؤلاء: (عباس العزاوي) و(أبو الخطاب محيي الدين المحامي) ، وأصدر جريدة (التجدد) الأدبية في (24/7/1930)، ولم يصدر منها إلا عدد واحدٌ .قال (مير بصري) عن الملّاح: “يعد من كبار شعراء المدرسة القديمة في العراق”، وتوسع في بيان ميزات شعره: أسلوبًا ومعنى، قائلًا: “يجمع محمود الملّاح في شعره كل خصائص مدرسة النهضة الشعرية الأولى التي حمل لواءها محمود سامي البارودي في مصر وترسم خطاه شوقي وحافظ والزهاوي والرصافي وأضرابهم. والسمات العامة لهذه المدرسة الإعجاب بالديباجة العباسية والالتزام بالأساليب الفصحى والعمود الشعري الدقيق… أما من حيث المعاني والأغراض فالغالب على شعراء هذه المدرسة النظم في المواضيع الوطنية والاجتماعية والدعوة إلى النهضة والإصلاح والتقدم والتضامن العربي والشرقي والحملة على الاستعمار والاستغلال وتکریم مشاهير الأمة ومصلحيها ورثائهم وإحياء أمجاد العرب والإسلام…”.وقال آخرون عنه: “يعد شعره سجلًا لمساحة واسعة من التاريخ العربي والعراقي، تنتمي قصائده لحركة النهضة الشعرية الأولى التي أعادت للشعر العربي سمات القوة العربية… تميزت قصائده بالطول وقوة الأسلوب ونصاعة اللغة، تحركت تجربته بين بعدين أساسيين: البعد العربي الذي جعله على علاقة بقضايا أمته، والبعد الإنساني الذي يتشكل عبر مرثياته لأشخاص يشكلون عناصر داخلة في سياق القومية العربية…”.ومن أمثلة شعره، قوله في قصيدته بعنوان (فخر الأنام):أمسى هناك (أبو رغال) خائبًا إذ خـاب ذاك الـعسكر الـجراردلَّ الـغريب عـلى عـوار بلاده فـالنذل في جسم البلاد عوارإن كـان ثـمَّ (أبو رغال) واحد فـالـيـوم آبـــاءُ الـرغـال كـثـارورثاؤه شيخه عبد الله النعمة، قائلًا:حـملوك مـنتهبًا بـنعش شـامخ حـسبته أمـلاك الـسماء سـماءاولـربـما غـلـب الـيراعةَ هـاطل من أدمعي، فتركت الاستيفاءالـــو لــم تـؤبـنه لآلــئ أدمـعـي لـم أرضَّ فـي تـأبينه الجوزاءاورثاؤه عز الدين القسام بقصيدة، منها:يـا عـين جـودي بالدموع غزيرة واسـقي ضريح النوب عز الدينمــن نـبـعة الـقـسام أنـبـته ثـرى مُـتـيـمنٌ بــثـرى صــلاح الـديـنوفَّــى الـعـمامة حـقها مـتوشحًا بـــدم الـشـهـادة، مـاقـتـًا لـلـهونأصبحتَ عز الدين قدوة كل من لاث الـعـمـامـة لاهــجـًا بـالـديـنوقوله في رثاء (إبراهيم هنانو):جللوا الأرض بالسواد حدادا إنَّ فـقـد الـزعيم هـزَّ الـبلادا ومخاطبته تمثال المحتل (مود) ساخرًا:أتروم في جو السماء مطارًا أم أنت ملتمس لها أخبارالم نلق حيًا طائرًا بجـواده لكن ميتًا فوق مهر طارافكأنما ضاقت به فسح الفلا فأراد في فسح الهواء مغارا الملّاح: القومي الإسلاميينص عدد من الكاتبين عن حياة الملّاح وجهوده على البعد القومي لديه، كقول بعضهم: “تشربت روحه الأفكار والمبادئ الإصلاحية، فكان في طليعة الشباب الموصلي ذي التطلعات النهضوية العربية القومية”. وهذا التوصيف للملاح صحيح وصداه في حياته كبير؛ ولكنه كلام مجمل يحتاج إلى بيان وتفصيل، فالملّاح صاحب رؤية قومية عروبية ذات بعد إسلامي وفق الثقافة السائدة في زمانه، التي لا تجد تعارضًا بين البعدين العروبي والإسلامي ولا تلمس تقاطعًا بيت الثقافتين المكونة لهما، اللتين تنتهيان إلى مورد واحد وتصبان في مصب واحد، لا كما حصل لاحقًا على يد دعاة المدرسة القومية المتشبعة بالأفكار الغربية عن مفهوم القومية وطبيعتها ومستلزماتها.وقد كان الملّاح صريحًا في بيان (معتقده) و(متبناه) في موضوع القومية، ولم يدارِ فيهما أو يوارِ؛ فقد استطاع بناء القنطرة الواصلة بين ضفتي (القومية) بنجاح، ومن ذلك قوله في مقدمة واحد من أهم كتبه: “نعم! أنا تعصبت للقومية الإسلامية الصحيحة وتاريخها السالم وفي ضمنها القومية العربية الصحيحة وتاريخها السالم وإنما قيدتها بالصحة والسلامة لعلمي بأن الاستغلال والتظاهر.. أساءا إلى تينك القوميتين فكم من ماضغ لهما مضغ (العالك) لا يتبلع شيئا إلا ما اتصل برؤاله -يقصد لعابه-. هذا وإني لإخلاصي للموضوع لست حريصًا على أن يقال عني: إن فلانًا ألف كتابًا. لأني لست حريصًا على الشهرة بعد أن تبذلت وصارت أشبه بحوض السبيل! بل إني حريص على أن يقال: إن فلانا عرض آراء صريحة بعبارة فصيحة، وأن يقبل على تلك الآراء إقبال مشغوف بالحقائق ثم لا أبالي بعد ذلك…”.ويكشف الملّاح عن رؤيته القومية الواعية هذه كثيرًا في ثنايا كتبه ومقالاته وأشعاره، ويعتني بفرقها عن بعض التوجهات القومية الدارجة في زمانه التي غلب عليها البعد السياسي؛ فنراه حريصًا كل الحرص على بيان أهمية وحدة الأمة ثقافيًا، فيقول: “إن اجتماع الأمة على ثقافة واحدة هو جُلّ مطلوبي وإن فاتتها السياسة الواحدة (والتي عليها مدار دندنة القوميين) لأن الأمة إذا حملت روحًا واحدة لا يضرها أن يحمل ساستها أرواحًا مختلفة، والوحدة إنما تتحقق بفهم الحقائق على وجهها، ومهما وقفت العوائق في سبيل الحقائق فسوف يكب العوائق على وجهها إيراد الحقائق على وجهها. وإيراد الحقائق على وجهها موقوف على الجرأة والصراحة والتجرد من العصبية الحمقاء والتخلي عن المطالع والتضحية ببعض المنافع” .ويصوغ فكرته المتقدمة شعرًا فيقول: أصـالـة الـرأي فـي تـثبيت وحـدتنا هي العماد، وحسنُ المقصدِ القطبُ أُقـدِّس الـوحدة الـغراءَ لـو سـلمت مــن فـتـية بـاسمها الآثـام تُـرتكبُويقول أيضًا:بني العُرب حتامَ التغاضي على القذى ألــم يــأن مـنـكم وثـبة تُـجبرُ الـصدعارقــدتـم رقــوداً نـومـة الـكـهف دونــه ولــم يـكـفكم حـتى أضـفتم لـه تـسعالـقد سـبقت في الدهر (سبعُ عجائب) فـثـمـنـتمُ أنــتــم عـجـائـبـها الـسـبـعـاعــجــبـتُ لــفــرعٍ لا يــشـابـه أصــلــه وإن كان شأن الأصل أن يسقي الفرعاولعل كتابيه: (تاريخنا القومي بين السلب والإيجاب) و(الآراء الصريحة لبناء قومية صحيحة)؛ هما المظهر الأبرز لأفكاره في هذا المجال.الملّاح: المصلح والمجددكما كان الملّاح مفكرا يتبني الخيار القومي (العروبي الإسلامي) فقد كان مصلحًا وداعية تغيير، ومجددًا طارحًا للأفكار والخطط، ومصوبًا للمشاريع والتوجهات. وقد التقت الأبعاد الفكرية والإصلاحية له على صعيد مجموعة من الهموم والقضايا التي يمكن أن نطلق عليها: (عناوين الإصلاح والتجديد) لديه. وهي كثير ومتشعبة، ومتفرقة على مجموع نتاجه الفكري والثقافي والأدبي، ومنثورة في نثره وشعره، ولا تكاد تخفى على المهتمين به والمتابعين لفكره وانتاجه.وقد أجملها أحد هؤلاء في الآتي: المنافحة عن (سيادة العراق وكرامته) و(استقلال البلاد العربية) والدفاع عن (عروبة فلسطين) و(رثاء شهداء الأمة) و(الدعوة إلى النهضة والإصلاح) و(التمسك بلباب الدين ونبذ القشور والخرافات) و(التفجع على الإنسانية المعذبة والمهانة) ومقارعة (الاستعمار والانتداب) والتنديد (بالأدواء الاجتماعية) ومهاجمة (النواب الذين يستهينون بحقوق الشعب وكرامة الأمة) . ونزيد على ما تقدم: تنقية (التأريخ الإسلامي من بعض ما شابه) ونقد (الفكر الدخيل على الأمة) وتصحيح مسار (الدراسات الفلسفية) وتعزيز (قيم العلم النافع) والاهتمام بـ (الدراسات الاجتماعية والعمرانية) كما يظهر من دراساته ومراجعاته لمقدمة ابن خلدون، وتنشئة (الشباب) و(رعاية العلوم والآداب).أما أفكاره التجديدية ونصوصه المعبرة عنها، فمنها قوله: “أن أول ما يطلب في التجديد صحة المادة! وصحة المادة موقوفة على النقد الصحيح! والنقد الصحيح موقوف على الرأي الصريح وهو موقوف على المجال الفسيح وزوال العوائق” .ويبرز هذا المعنى شعرًا فيقول:الغرب يبني في السماء مـنازلًا والشرق يحفر في الثرى آباراوالغرب في درج العلا متصاعد والشرق تحت طباقها يتـوارىجهلوا الطريق ولا دليل لمبـصر فهم ببيداء الحياة حيـــارىالملّاح: الغائب المُغيّبيبدو أن (متلازمة) الغياب بعد قطع الرجاء من الواقع؛ قد حكمت مسيرة حياة (الملّاح)، وقد كتب أحد المهتمين بأدبه وشعره دراسة نقدية عن شعره بعنوان: )بنيوية الواقع والمرجو) . وإذا كان الملّاح قد غاب بإرادته عن دنيا الناس سنوات؛ فإنه قد غُيّب على الرغم منه عن ساحة الفكر، وعن ساحة الأدب والشعر. يقول جامع ديوانه الشعري: “لقد غُيّب الملّاح كآخرين مثله نالهم ما ناله من التغييب عن الساحة الأدبية والفكرية في حياته وبعد مماته والتي وسّعت لكثير من العراقيين، وكذلك للكثير من القادمين من المجهول وكبروا باسم العراق ونالوا مباركته بشتى الوسائل و”ملاحنا” كان بعيدًا عن كل الوسائل سوى وسيلة الصدق بالحق التي لا تروق للكثيرين فهو بعلمه ملاح سفينة قد سافر في عبابه والآخرون يجدفون في زوارق لا يتعدون المياه الضحلة قرب الساحل وشتان، وقد قيل قديمًا: إن البغاث بأرضنا يستنسر” .ولعل بعض أبيات قصيدة (الملّاح) (خواطر مرتجلة)؛ تعبر تمام التعبير عن رأيه المتأخر في الانكفاء على نفسه؛ حيث يقول: إن الحياة اغتراب وفي الممات المآبفإنما الوطن الأصلي الثرى والتراب وقد يسمى حياة عن التراب الغياب کما یسمی وفاة إلى التراب الإيابإن الحياة لعمري كما ينار الثقابنار بأيدي الرياح الخمود والالتهابوهكذا غاب المـُغّيب (الملّاح) عن دنيانا ليلة الأربعاء في الأول من شهر محرم (1388ه) الموافق لـ (18/آذار/ 1969م)، ونقل جثمانه من بغداد إلى الموصل ، ليدفن في مقبرة العائلة .

Similar Posts