رحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان
بقلم : د محمد الحاج عيسى
انفرد الإمام أبو حنيفة رحمه الله بآراء فقهية خالف فيها الأئمة الثلاثة ؛ آراء قد يرى فيها كثير من المعاصرين من غير المنتمين إلى مذهبه رحجانا على بقية المذاهب، رجحانا قد يقترب من القطع أحيانا، والظنون والعلوم في ذاتها متفاوتة وليست في رتبة واحدة، وقبل أن أذكر النموذج الأول الذي ظهر لكاتب هذه السطور رجحانه ، أنبه أن قضية الترجيح نسبية تختلف باختلاف الأشخاص، وأنها خاصة لا تعنى العاجزين أو المدعين، ومع الأسف يرى من يكتب ويحسب ما ترجح عند إمامه هو الدين وما سواه خارج عنه ، وهذه عقلية إقصائية يبتلى بها كثير ممن يطالع كتابات ابن حزم رحمه الله قبل أن تتكون شخصيته العلمية وتستوي، ويرى أيضا على النقيض من ذلك بعض الأميين ممن لا يدرون ما العلم إلا أماني، يتحسسون من هذه الكلمة التي ملأت كتب الفقه المذهبي قبل الفقه المقارن، ومشكلة هؤلاء هي نفسها مشكلة سابقيهم إذ هم جميعا يتوهمون أن الترجيح هو إقصاء تام للرأي المرجوح، وأن الراجح في مرتبة كلام الله تعالى ورسوله الذي لا يحتمل الغلط ولا التأويل، وكثيرا ما يؤدي الوهم والغلط في التصور إلى الأحكام المتطرفة المتناقضة، كما حدث لمن توهم الإيمان شيئا واحدا لا يتجزأ ولا يزيد ولا ينقص ، فذهب بعضهم إلى التكفير بالمعاصي، وذهب آخرون إلى التسوية بين إيمان الأنبياء والصالحين والعصاة الفاسقين.
وبعد هذا التمهيد نقول من أوائل المسائل التي تدرس في الفقه الإسلامي مسائل النجاسات وكيفية تطهيرها، وهي مسائل تعم الحاجة إليها في القديم والحديث.
ومما اختلف العلماء فيه حكم إزالة النجاسة بالمائعات من غير الماء ، فذهب الجمهور إلى أن غير الماء لا يكون مطهرا للمحل، حتى لو أزال عينها فمن أزال النجاسة من دم أو بول بالخل مثلا أو بأي مطهر من المطهرات الطبية الحديثة لا يكون ذلك مطهرا للثوب أو الجسم حتى يعيد غسله بماء مطلق …بينما يرى الحنفية أن بعض المائعات قد تكون أبلغ في التطهير من الماء ومثلوا لذلك قديما بالخل ، ونمثل لذلك في عصرنا بالمنظفات الكميائية السائلة التي أخرجت الماء عن إطلاقه، وأيضا بالمطهرات الطبية وهي كثيرة متعددة، ولعلنا نستثنى المطهرات الكحولية لاعتبارها عند الجماهير نجسة في حد ذاتها.
ومن تأمل حجج الفريقين وأسباب الخلاف بينهم بتجرد وإنصاف رأى مذهب أبي حنيفة أظهر من غيره، فأما الحجج النصية فلا قاطع فيها ولم يأت الجمهور بأي دليل صريح يمنع التطهير بغير الماء وما توهموه من حجج لو كان صحيحا لمنع من التطهير بالتراب والأحجار، ومما يستأنس به من المنقول لصالح الأحناف قول عائشة رضي الله عنها : «ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها» رواه البخاري ومعناه “بلته بريقها ودلكته بظفرها وحكته به، ولا يقال هذه رخصة تتعلق بالقليل لأنه لا دليل على العزيمة المزعومة ولا على كون الدم قليلا .
وأما النظر في المعاني فلا يدع مجالا للشك في أن مذهب الحنفية أقوى من غيره ، فإن الجميع متفقون أنه لا تشترط النية في إزالة النجاسة والإجماع حجة وحديث ( يطهره ما بعده) حجة ، وكون السلامة من النجاسة تركا لا يفتقر إلى نية حجة، وإذا كان لا يحتاج إلى نية فلا معنى للزعم أنه عبادة غير معقولة المعنى لأن علامة العبادة الافتقار إلى النية حتى تكون مجزئة، فالجسم الذي كانت عليه نجاسة فأزيلت عينها بخل أو منظف سائل أو مطهر طبي يصير طاهرا ولا يحتاج إلى غسل بالماء لأن الماء لن يزيل شيئا حينها فمروره وعدم مروره سواء .
قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 84):” وَهَذِهِ الْمَائِعَاتُ فِي الْمُدَاخَلَةِ، وَالْمُجَاوَرَةِ، وَالتَّرْقِيقِ، مِثْلُ الْمَاءِ فَكَانَتْ مِثْلَهُ فِي إفَادَةِ الطَّهَارَةِ بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ الْخَلَّ يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ بَعْضِ أَلْوَانٍ لَا تَزُولُ بِالْمَاءِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّطْهِيرِ أَبْلَغُ”.
وقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (1/ 429):” بل الخل، وماء الورد، وغيرهما يزيلان ما في الآنية من النجاسة كالماء، وأبلغ والاستحالة أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره» .وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح”.
وعلى قول أبي حنيفة بنى كثير من الباحثين تخريجهم للنوازل المعاصرة، نحو حكم المياه المتغيرة بالمطهرات الحديثة، وحكم التطهير بمغاسل البخار، وحكم التطهير بالمعقمات والمطهرات الطبية، ولا أشك في صواب تخريجهم ورحم الله الإمام أبا حنيفة.
والله تعالى أعلم