الرواية….. الأدب المظلوم

الناقد أدهم الشبيب

لو قرأ عنوان مقالي هذا رجل من مثقفي فرنسا أو روسيا أو حتى أمريكا الجنوبية لظن أنني غشيم في الأدب ولا دراية عندي في النقد، فالرواية عند بعض الأمم -بل أغلبها – أعلى الفنون الأدبية شأنًا وأكثرها تقديرًا وهذا لا يصح عندنا -كما نعلم- فرغم ظهور بعض القصص السردية المختلقة أو المحاكية أو الموجهة عبر تاريخ آداب العرب هنا وهناك (بخلاء الجاحظ أو كليلة ابن المقفع أو ربما موروث الف ليلة وليلة وغيرها قليل) إلا أن الرواية أو القصة كأدب مستقل وله كيانه وخصائصه وجمهوره ونقّاده لم يظهر عند العرب إلا حديثا (عصر النهضة) ولم ينضج إلا قريبا، بل لعله “نقديا” لم ينضج إلى الآن.

بمعنى أنه لم يقتحم فنون الأدب الأخرى ولم يحجز لنفسه المكانة التي يستحقها من التقدير والإقبال والدراسة بينها حتى اليوم، وهذا عائد -في بيئتنا- إلى أسباب كثيرة أولها هيمنة الشعر على الذوق العربي والاهتمام العربي وانعكاس ذلك على النقد العربي بطبيعة الحال، فالناقد يتبع المنشئ ويشذبه ويعلمه ويقوّمه ولكن لا يخلقه، وهذه حلقة مدورة بينهما لا يسع المقال للتشعب إليها.

إلا أن الثابت أن النقد يأتي بعد النص ولا ينشئه، وهذا يبرّئ الناقد من الانحسار الأدبي الحاصل للقصة -بأشكالها- من تلك الجهة، وإن كان من جهة مغايرة يتحمل “أي الناقد” وزر هذا الانحسار دون شك إذ لا ينكر أحدٌ مطلّع على صناعات الأدب تأثير الناقد المطّرد في النصوص اللاحقة التي لم تُنشأ بعد عن طريق تأشير الخلل والمحاسن والمثالب فيما مرّ، ثم تأثيره في المنشئين القادمين الذين لم يولدوا بعد والذين لم ينضجوا بعد على حد سواء، إن كانوا كتابا أو روائيين أو شعراء أو ما إلى ذلك، بواسطة تثبيت المعايير والتحذير من الشطط والتنبيه على الزلل والتعريف بالبارعين وتحجيم الفاشلين، و و و ،، ، “وهذا دوره باقتضاب”.

فعندما يعكف الناقد -متأثرا بالجو العام لمجتمعه- على النصوص الشعرية، ويلاحق -بأدواته الحاسمة وموهبته المهمة- ما يدرّ عليه دخله أو ما يجرّ إليه الشهرة عن طريق ما يفرضه واقع الحال من الذائقة العامة -وإن فسدت أو قصرت- وهنا أقصد الاقتصار على الشعراء ودراسة نتاجهم، فإنه يساهم فعليا في انحسار الفنون الأدبية الأخرى ويدفع بالشعر “وحده” إلى الازدهار قصد أم لم يقصد.

وكذا إذا قصر الناقد الأدبي عمله في نقد الرواية على مرور كريم لا يسمن ولا يغني من جوع فإنه لن يشجع المبتدئين والموهوبين على المضي في هذا الطريق، إذ لا جمهور -مثقف نقديا- لديهم، ولا مكانة تنافس الشعراء تجذبهم وتغريهم بالإبداع وتطوير النتاجات، ولهذا ومثله تضاءل فن الرواية دورا وانكفأ حضورا.

وإذا علمنا أن الفن القصصي بروايته، وقصته، وقصته القصيرة، ممتدا إلى جذوره القديمة قِدم الأدب متمثلة بالملاحم التاريخية شعرا ونثرا، أقول إذا علمنا أن لفن الرواية عظيم الأثر بل أخطر الأثر على الذوق الأدبي والثقافة العامة والتربية الاجتماعية وتطوير الإنسان -ذهنيا وأخلاقيا- فإننا سنكتشف مدى تقصيرنا عوام ومختصين تجاه الادب ودوره ورواده من القصصيين والروائيين بإهمالنا لهذا اللون وتركيزنا على غيره مما هو أقل منه خطرا بكثير.

سيقول أحدكم متوجسا: كأنك تقصد الشعر، نعم أقصده ولم لا، وما المانع، فالشعر وإن كان أجمل فنون الأدب جرسا وأسهلها على النفس حسّا وأمتعها حفظا ودرسا إلا أن أثره لا يرتقي إلى أثر الرواية والقصة مطلقا، وهذا بسبب طبيعة تكوينه وقصور حركته وتكثف أغراضه وقلة مساحته وتكرار موضوعاته، وهذا ليس هجوما على الشعر من ناقد له -قد يعده البعض معروفا- بل هو تسمية الأشياء بأسمائها .

نعم يسهم الشعر في انتقال الحكمة والتشبث بالشجاعة ويدفع للتحلي بالكرم وغير ذلك مما تربينا عليه ولا ننكر فضله، ولكن تقصرُ قصيدة مهما طالت أن تحقق هدفا ساميا أرادته الرواية بفصولها وشخوصها وحبكتها وحواراتها ومقدمتها وعرضها وعقدتها وخاتمتها، والسبب هو تلك الخصائص التي أوردتها توا، وهي الخاصية الحوارية الواسعة والمتشعبة التي يوفرها فن الرواية ولا يمكن للشعر أن يفعلها وإلا صار مملا متباعدا مشتتا فقد قدرته على الإمتاع وسرعته في الإقناع، وكذلك دور الفصول والشخوص والأحداث الكثيرة المتداخلة التي تهيء لمنشئ الرواية أن يجوب كل مكونات المجتمع وأطراف المدينة بل وأرجاء الأرض ليستحضر صورا ومواقف ويخلق مؤثرات ويمرر غايات ويلقّن حوارات تتبع براعته وإمكاناته إلى الحد الذي يمكنه أن يؤثر بجيل من القرّاء ويأخذهم إلى الطريق الذي يريد إن كان ممن يملك رسالة أو هدفا نبيلا .

يتبع

أدهم الشبيب 27 شباط 2023

Similar Posts