درجات الظلم وحامليه
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة طه :((وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111))
وفي الآية جملة من المسائل:
الأولى :قوله تعالى :((وَقَدْ)) وهي تفيد تحقيق الأمر ووقوعه دون أدنى شك أو ريبة من عدم وقوعه
الثانية قوله تعالى:((خَابَ)) أي خسر وندم وتحسّر بسبب فشله وتعثر حظه، وتعذُّر مناله، وذهاب آماله.
الثالثة: قوله تعالى:((مَنْ حَمَلَ)) وفيه دليل على أن كل عامل سوف يحمل ما قدّم من قول أو عمل زيْنٍ أو شيْنٍ فوق ظهره يوم القيامة.
الرابعة: قوله تعالى:((ظُلْمًا)) وهذا هو الشيء المحمول الذي كان سببا في خيبة حامله؛ ألا وهو الظلم، والعبرة في كونه نكرةً :((ظُلْمًا)) ليتضمنَ كلَّ أنواع الظلم، فإن النكرة تفيد العموم أكثر من المعرفة.
والظلم درجات وظلمات بعضها فوق بعض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :((اتَّقُوا الظُّلمَ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وأعلى درجات الظلم هو الشرك بالله تعالى فيُصرف حق الله تعالى لغيره من خلقه مما حق محض له سبحانه وتعالى كالدعاء والاستغاثة بالموتى والغائبين وطلب المدد والعون منهم واعتقاد الضر والنفع بهم كما حال عامة المشركين في الأرض، ومنه قوله تعالى على لسان لقمان عليه السلام وهو يعظ ابنه في سورة لقمان:((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)).
ودون الظلم الذي هو شرك في الدرجة الثانية، هو ظلم العباد وله درجتان:
الأولى : ظلم المسلم للمشرك، فهذا لا يجوز فإن الشرك أو الكفر ليس سبيلا لاستحلال ظلم الكافر أو المشرك ومنه قوله تعالى في سورة المائدة:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8))
والشنآن هي العداوة والبغضاء الكافر أو المشرك كتابيا كان ام وثنيا، فلايجوز ظلمه لمجرد كفره أو شركه فقال جل وعلا:((اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ)).
الدرجة الثانية :هي ظلم المسلم لأخيه المسلم وهذا أعظم إثماً وجُرماً، وذلك لِعِظَمِ حرمة المسلم عند الله تعالى ومنه قوله تعالى:((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)) فوصف النفس المؤمنة هو على وجه تغليظ الفعل والجُرم على وجه الخصوص، لأن الله قد حرم قتل النفس البشرية ظلما على وجه العموم، والتغليظ في الجزاء لمن قتل نفسا مؤمنة.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه الشبخان
فالتغليظ هنا في ظلم المسلم خصوصا، والظلم في جملته حرام على المسلم وعلى غيره.
الدرجة الثالثة:ظلم الإنسان لنفسه بارتكاب الكبائر وتقصيره في أداء الواجبات العينية.
نسأل الله العافية والسلامة من الظلم الظالمين.