القول الصحيح في الحسب واصطفاء مريم

الشيخ عبد المنعم البدراني

• الذَّبْ عن المعنى الصحيح للحَسْب:

الحسبُ هو الكافي الذي لا تحتاج إلى غيره ولا تلتفت إلى سواه، ومنه اسم:”الحسيب” لله تعالى كما في سورة النساء في قوله تعالى :((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)).

والحسيب يأتي على معانٍ عديدة، ومنها الكافي والحافظ الذي لا يُلتَفَتُ إلى غيره.

ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران:((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173))

قال ابن عباس رضي اللَّهُ عنهما: “قالها إبراهيم يوم أُلقي في النار، وقالها مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم يوم قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا اللَّهُ ونعم الوكيل”.

فكانت ثمار هذه الكلمة الطيبة:((فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)

فهي أربع ثمرات:

نعمة

وفضل

ولم يمسسهم سوء

واتبعوا رضوان اللَّه، أي اتبعوا كل أمر يرضي اللَّهَ تعالى، توفيقًا منه سبحانه جزاء لاحتسابهم وحسن توكلهم عليه.

وأرشد اللَّهُ تعالى رسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم إلى هذه القضية الكبرى من قضايا التوحيد وإفراد الله تعالى بالتوكل عليه والإعتصام به واللواذ بجنابه العظيم فقال جل وعلا في سورة الأنفال :((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64))

أي أن اللّهَ تعالى كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين لا كما يفهمه بعضُهم خطأً بان الحسبَ هنا باللَّهِ والمؤمنين. أنظر وتأمل يرحمك اللَّه.

وقوله تعالى في سورة الزمر:((قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)))

وقال الله تعالى في سورة التوبة:((وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إلى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ﴿٥٩﴾

فَفَرَّقَ اللَّهُ تعالى بين إتيان الفضل من اللَّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ تعالى عليه وسلم للمؤمنين، وبين الحسب وهو الاكتفاء بالله تعالى ربّاً ومعيناً ومغيثاً.

أنظر وتأمل يرحمك اللَّه.

• المَنْبَتُ الحَسَن (السيدة مريم) أبوها صِدِّيق وأُمُّها صِدِّيقة وأخوها صِدِّيق

إنها الصِدِّيقة مريم عليها السلام،

أخوها الصِدِّيق هارون، وهو غير سيدنا هارون النبي الرسول أُخي سيدنا موسى عليه السلام، فإن بينهما قروناً من الزمان، ومنه قوله تعالى في سورة مريم :((يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)).

فذكّروها بصلاح أخيها هارون عليه السلام

وأُمُّها صِدِّيقة من الطاهرات الصالحات.

وأبوها سيدنا عمران عليه السلام وهو ممن اختُلِف في نبوَّتِه، على قولين، أرجحهما أنه نبي، لأنه ذُكِرَ مع جملة من النبيّين، كما في قوله تعالى في سورة آل عمران :((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)

فآدم عليه السلام نبي، وقيل نبي رسول.

ونوح عليه السلام نبي رسول، وقيل إنه أول الأنبياء المرسلين.

وسيدنا إبراهيم عليه السلام نبي رسول.

فلم يبق إلا سيدنا عمران عليه السلام.

فمريم عليها السلام نشأت في هذا المنبت الحسن الذي أنبتها اللَّهُ تعالى إياه كما في قوله تعالى في سورة آل عمران :((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا))

وسبب هذا القبول والإنبات الحسن في هذه البيئة المباركة، هو أن أمّها الصِدِّيقة قد نذرتها للَّهِ نذرًا خالصًا من غير شريك له، كما في قوله تعالى في سورة آل عمران :((إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35). والنذر المحرر هو النذر الخالص لوجه اللَّهِ تعالى.

فكان من ثمار هذا النذر المُحَرَّرِ الخالص للَّهِ تعالى أن أوحى اللَّهُ إلى نبيِّه زكريا عليه السلام أن تكفلْ بتربية مريم، وقم على رعايتها وإنشائها منشأً حسنًا يؤهلها أن تكون وابنها النبيُّ الرسول سيدنا عيسى عليه السلام آيةً للناس، ومنه قوله تعالى في سورة مريم:((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ)).

صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، وأنعمْ بهم من عائلة طيبة طاهرة زكية.

Similar Posts