الفوز بالنصر والجنان ببيعة الرضوان

الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة الفتح:((لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)

وفيها جملة من المسائل:

الأولى :قوله تعالى :((لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)) و(قد) تفيد التحقيق واللام تفيد التوكيد وهذا يعني أن الرضا من اللَّهِ تعالى عن المبايعين قد تحقق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتأكد دون أدنى شك أو ريبة.

انظر وتأمل يرحمك الله.

الثانية قوله تعالى :((إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ))

وهي البيعة التي تسمى ببيعة الرضوان وقد انعقدت لرسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم من أصحابه الذين خرجوا معه للعمرة، فمنعوا منها، فجمعهم النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تحت شجرة تسمى ب(السَمُرَة) وبايعوه على أمر عظيم ألا وهو :

” أن لا يَفِرُّوا من أرض المعركة” .

ومنه حديث جابر رضي اللَّهُ عنه قال : في قولِه تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}، قال جابرٌ: بايَعنا رسولَ اللَّهِ صلّى اللَّهُ عليه وسلَّم على أن لا نفِرَّ، ولم نبايِعْه على الموت)) رواه الإمام مسلم وغيره.

وكان لهذه البيعة ثمرة عظيمة يوم حُنَيْن فإن المشركين قد بَيَّتوا لرسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم ومن معه في رؤوس الجبال، فلما دخل وادي حُنين إنصبَّتْ عليهم السهام والرماح والأحجار والرجال فتفرّق الناس من حول رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يثبت معه إلا النفر القليل، فلما رأى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أن الصحابة قد تفرقوا قال لعمه العباس وكان صوته جَهورا :(يا عباس نادِ على أصحاب السَمُرَة ) وهي الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تحتها على عدم الفرار، فنادى العباس رضي اللَّهُ عنه‏ بأعلى صوته :”يا أصحاب السَمُرَةِ يا أصحاب السَمُرَة” وذكرهم ببيعتهم لرسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم على أن لا يَفِرُّوا من أرض المعركة، فلما سمع الصحابة صوت العباس‏ تذكروا بيعتهم لرسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم فعادوا أدراجهم إلى ‏أرض المعركة، وقاتلوا مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الذي كان يتقدمهم على بغلته الشهباء “دَلْدَل” وهو يقول :

(أنا النبي لا كَذِبْ،

أنا ابن عبد المطلب)

يُذَكِّرُهم مع البيعة بنبوَّتِهِ وما بُعِثَ به صلى اللَّهُ عليه وسلم من الحق المبين ووجوبِ جهادِ الكفارِ والمشركين.

الثالثة:قوله تعالى :((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ))

وفيها تزكية لأصحاب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من النفاق فهم بشهادة اللَّهِ تعالى ورسوله صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم صادقون ظاهراً وباطنا.

الرابعة :وهي متعلقة بالمُنَحِ والهِباتِ الإلهيةِ لهؤلاء الصادقين من الأصحاب الغُرِّ الميامين وهما مُنْحَتان:

الأولى :عاجلة نقداً في التوِّ واللحظة وهي قوله تعالى :((فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) فَثَبَتُوا ولم يَتَزَعْزَعوا ولم يخافوا ولم يتزلزلوا، على الرغم من كونهم مُحْرِمِينَ للعمرة عُزَّلاً من السلاح، وفي أرض فلاة مكشوفي الظهور والوجوه لفرسان قريش ورماتهم.

الثانية :قوله تعالى :((وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18))

والفتح هنا له مقدمة وخاتمةً:

فمقدمته صلح الحديبية، الذي أعطى للصحابة فُسْحَةً للدعوة ونشر الإسلام في الجزيرة العربية وخارجها، فلقد أرسل النبي صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُسُلَهُ إلى كل الدنيا في فترة هذا الصلح ، ومنه قول ابن مسعود رضي اللَّهُ عنه:

“أنتم تَعُدَّونَ الفتح فتحَ مكة، ونحن نعدُّ الفتح صلحَ الحُدَيْبية”.

قلتُ:وهو يقصد بهذا المقدِّمةَ التي أدَّتْ إلى الفتح الكبير، وذلك لأن نقض هذا الصلح انتهى الى خاتمة الفتح، ألا وهو فتح مكة المكرمة الذي انتهى به عهد الجاهلية وانتشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية كلها وللّهِ الحمد والمنة.

فائدة:

من مكارم الأخلاق

قوله صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(من كان يؤمن بِاللَّهِ واليوم الآخر فيكرمْ ضيفه) رواه الشيخان.

ومن صور الإكرام للضيف أن لا يُعاتَبَ على تقصير بدر منه، طالما هو في فترة الضيافة وهي ثلاثة أيام كما قال صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(الضِّيافةُ ثلاثةُ أيَّامٍ ، فما سِوى ذلكَ فهوَ صَدقةٌ) رواه أبو داود

وغيره.

فقوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(الضيافة ثلاثة أيام) وهذا هو القدر الواجب شرعاً في الضيافة

وقوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(فما سِوى ذلكَ فهوَ صَدقةٌ)فهو من باب التفضل والإحسان، فهو صدقة من المُضيف على الضيف، وهو نوع حثٍّ من النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمُضيف أن يصبر على ضيفه مقابل صدقة تُكتَب له عن كل يومٍ زيادةً على القدر الشرعي للضيافة. ‏

Similar Posts