من أعلام الإصلاح في العراق (1) الشيخ نعمان الأعظمي
بقلم : د. مثنى حارث الضاري
هو (الحاج) نعمان بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد العبيدي الأعظمي، ولد في محلة الشيوخ في (الأعظمية) ببغداد عام (1293هـ_1874م)عُرف الشيخ (نعمان الاعظمي) رحمه الله، بحميته ونشاطه الكبير وسعيه المتواصل في مجالات الإصلاح والتعليم والتوجيه والإرشاد والوعظ الديني، فضلًا عن علاقاته الكثيرة والوطيدة بعلماء عصره في العراق وخارجه، نحو: محمد بهجة البيطار وجمال الدين القاسمي وعبد القادر المغربي في دمشق، والحاج أمين الحسيني في القدس، والشيخ عبد الله بن خلف في الكويت، والتقى بالشيوخ: شعيب اليماني، ومحمد الشنقيطي، وإبراهيم بن جاسر وغيرهم من العلماء، في موسم حج سنة (1341هـ/1923م).وعرف عن (الأعظمي) كذلك اهتمامه بقضايا الأمة وهمومها، وتواصله مع المسلمين في بلدان عدة، ولاسيما مع مسلمي (البوسنة والهرسك) ومسلمي (النمسا)، الذين كان على صلة بهم عن طريق مفتي (فيينا). وقد مد حبال الوصل مع المسلمين في العالم بشتى الطرق، كإرسال الكتب والمجلات والنشرات الإسلامية لهم ورعاية طلاب العلم منهم الذين يدرسون في بغداد، ولم يَدع فرصة تفوته في نفع من يستطيع الوصول إليهم من المسلمين عامة وطلبة العلم منهم خاصة؛ ومن ذلك أنه كان يعظ الأسرى معه عندما كان منفيًا ومسجونًا في (الهند)، ويعلمهم اللغة العربية، ويدرس طلبة العلم منهم؛ حيث درّس نحو (30) طالبًا من التتر والأفغان والهنود.شارك (الأعظمي) في جبهة القتال في (الكوت) جنوب العراق سنة (1915م)، مع جيش العلماء والقبائل العراقية من الشمال والوسط والجنوب، التي قاتلت إلى جانب العثمانيين، وبعد احتلال بغداد عام (1917م) اعتقله الإنكليز بعد أن اقتحموا (الكلية الأعظمية) التي كان يدرس فيها، وسجنوه في بغداد ثم في البصرة، قبل أن ينفوه إلى الهند، التي قضى فيها أكثر من سنتين ونصف السنة، ثم أطلقوا سراحه في عام (1919م)؛ فعاد إلى مدينته وكليته وسيرته الإصلاحية.كان (الأعظمي) كثير التجوال في المدن والبلدات العراقية يعظ المسلمين ويذكرهم، ويدعوهم إلى التمسك بأحكام الإسلام وآدابه، فضلًا عن نشاطه المتميز في العمل المؤسسي لخدمة المجتمع؛ فقد كان من مؤسسي: (جمعية حماية الأطفال بالعراق) و(جمعية الهلال الأحمر العراقية) و(جمعية الهداية الإسلامية) و(جمعية الشبان المسلمين).ومن مآثر (الأعظمي) الكبيرة والمستمرة: كلية (الإمام الأعظم) ببغداد، التي سعى في سبيلها سعيًا حميدًا لدى السلطان العثماني، تكلل أخيرًا بحصوله سنة (1910م) على موافقة السلطان على تجديد (مدرسة الإمام أبي حنيفة) التأريخية في بغداد وتطويرها، وذلك بعد أن كتب في مجلة (تنوير الأفكار)، التي أسسها مع الشيخ (حمدي الأعظمي) و(الأستاذ عبد الهادي الأعظمي)؛ مقالة خاطب فيها السلطان العثماني -في حينها- محمد رشاد، بلسان الإمام أبي حنيفة، وطلب منه أن يولي مدرسة الإمام أبي حنيفة اهتمامه ويأخذ بيدها من واقع الإهمال والتراجع، الذي كان الشيخ نعمان يعاينه بنفسه ويعانيه معها، وهي تصارع من أجل البقاء؛ فعُمِّرت المدرسة ورُممت وتوجه الطلبة إليها وكثروا فيها؛ فوصل بجهده هذا ما انقطع من تأريخ المدرسة، واستمر عاملًا فيها ومواكبًا لمسيرتها، حتى أضحى عميدًا لها سنة (1924م) وعرف بها وعرفت به، بعدما أصبح اسمها (دار العلوم العربية والدينية). وما زالت هذه المدرسة (الكلية) تقدم خدماتها العلمية متخذة أسماء متعددة، من أشهرها غير ما تقدم: (كلية الإمام الأعظم) و(كلية الشريعة)، ومتقلبة في أحوالٍ مختلفة على مدى عمرها الحديث حتى وقتنا الحاضر الذي تحمل فيه الآن مسمى (كلية الإمام الأعظم الجامعة)، وهو تأريخ طويل ومجيد وثَّقه الشاعر والخطاط والباحث (وليد الأعظمي) رحمه الله، في كتابه (مدرسة الإمام أبي حنيفة وتراجم شيوخها ومدرسيها).وللحاج (نعمان) بعد ذلك كله، تآليف ورسائل واصل بها ذات النهج الإرشادي وعين الطريقة الإصلاحية، التي كان يسير وفقها ويسعى في سبيل إنجاح خطتها في العراق وغيره، وهي: إرشاد الناشئين، والتاريخ العام، والمواعظ الدينية الصحيحة، وشقائق النعمان في مواعظ رمضان، وأغاريد الهزار في الأناشيد والأشعار، ومجموعة كبيرة من المقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية في فنون شتى، منها: التفسير والتاريخ وعلم الاجتماع وقضايا المسلمين وهمومهم.ولا يكتمل الحديث عن الشيخ (نعمان الأعظمي) وجهوده في الإصلاح والتوجيه والشأن العام؛ إلا ببيان جانب مهم من جوانب نشاطه واشتغاله العام، وهو عنايته بقضية فلسطين والقدس؛ فقد كان من علماء العراق المبادرين للمشاركة في المناشط والفعاليات والمؤتمرات المعنية بذلك، ومن أشهرها: (المؤتمر الإسلامي العام الأول) الذي انعقد في مدينة القدس سنة (1349هـ/1931م)، الذي حضره معه ثلة من رجال العراق وعلمائه وقادة الفكر فيه، ومنهم العلامة (محمد حبيب العبيدي) مفتي الموصل وعالمها الفذ وداعية الإصلاح المعروف، وكان للشيخ نعمان وصحبه في هذا المؤتمر وجلساته وحواراته وقراراته؛ أثر ووقع كبيران.توفيّ الشيخ (نعمان الأعظمي) يوم الاثنين (15/جمادى الآخر/1355ه_2/أيلول/1936م)، وشُيِّع بموكب كبير شارك فيه العلماء ورجال الفكر والأدباء ووجوه العراقيين، وأغلقت مدينة (الأعظمية) أسواقها حزنًا على (الفراق) و(الفراغ) الذي تركه، ودفن -رحمه الله-في مقبرة (الخيزران).