الهدايةُ الفِطرية والهدايةُ المُكتَسَبَة
الشيخ عبد المنعم البدراني
فأَمّا الهدايةُ الفِطريةُ: فهي الهدايةُ التي فطرَ اللَّهُ تعالى عليها جميعَ خَلقِهِ جِنِّهِم و إِنسِهِم وملائكتِهِم وطيرِهِم ووحشِهِم وجميعِ الدوابِّ التي في الأرض وفي البرِّ والبحرِ لما ينفعُهُم ويُيَسِّرُ لهم أمورَهم ومَعايشَهم ومنها قولُه تعالى في سورة الأعلى:((وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3)))
أيْ قدَّرَ المقاديرَ وهدى المخلوقاتِ إليها لما فيه معايشُهُم وحياتُهُم اليومية.
وأمّا الهدايةُ المُكتَسَبَةُ: فهي الهدايةُ التي اكتسَبها الناسُ وتعلَّموها من الرُّسُلِ والأنبياءِ والعلماءِ والصُلَحاءِ الذين ساروا على هدي الرُّسُلِ وسُنَنِهِم، ومنها قولُهُ تعالى في سورة النور:((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
(إن) في قولِهِ تعالى :(وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ) شرطيةٌ في تَحَقُّقِ الهدايةِ للعبادِ، وهو شَرطُ طاعةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فمن أطاعَهُ فقد اهتدى، ومن عصاه فقد ضلَّ سواءَ السبيل.
أسرارٌ
من قولِه تعالى في سورة الحجرات:((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ ))
ومثلُها قوله تعالى في سورة آل عمران:((وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ)) 101
ولها حالتان:
الأولى: في حياته صلى اللَّهُ عليه وسلم فهو حيٌّ يرزق في جيلِ أصحابه الكرامِ يروْنهُ ويراهم ويكلِّمُهم ويكلِّمونه ويأمرهم وينهاهم فيسمعونه ويطيعونه.
الثانية: بعد مماتِه صلى اللَّهُ عليه وسلم، فهوَ فينا بسنَّتِه وشرعهِ وأمرِهِ ونهيِهِ وهَديِهِ ودينِه الذي ختم اللَّهُ تعالى به جميعَ الرسالاتِ السماوية.
فلا يَتَحَرَّكُ المسلمُ حركةً ولا يفعلُ طاعةً واجبةً أو مستحبةً أو مباحاً؛ ولا يَجتَنِبُ مُحَرَّماً ولا مكروهاً إلا لرسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم بصمةٌ في كل ذلك لأنه سببٌ فيه.
فإذا صلّى المسلمُ فإنَّما يُصلّي مثلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم.
وإذا حجَّ فإنَّما يَحُجُّ مثلَه صلوات ربي وسلامه عليه.
وإذا زكّى فإنَّما يُزَكّي بهديِه وسنَّتِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم.
وإذا صامَ فإنَّما يصومُ مثلَ صومِه صلى اللَّهُ عليه وسلم.
وإذا اجتَنَبَ الموبقاتِ والكبائرَ فبامتثالٍ لنَهيِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم.
ولا يفعلُ طاعةً مَرضِيَّةً إلا امتثالاً لأمرِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم.
لقد تركَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم بصمتَه وأثرَه في كل تفاصيلِ حياتِنا فهو فيما بيْنَنا بسنَّتِهِ منذُ الاستيقاظِ وحتى المنامِ صلى الله عليه وسلم، ومنذ الولادةِ والعقيقةِ والتسميةِ والتحنيكِ والختان، حتى المماتِ والغُسْلِ والتكفينِ والصلاةِ والتشييعِ والدفنِ وهو مرشدٌ لنا ومُعَلِّمٌ في صغائر أمورِنا وكبائرِها صلوا عليه وسلموا تسليما.