الحبور والسعادة في معرفة أنواع الشهادة

الشيخ عبد المنعم البدراني

الشهادة التي أقصدها تعني أن يشهد أحد على غيره أو أن يشهد أحد لنفسه. وأعظم الشهود وأصدقهم وأحوطهم بالعباد هو اللّهُ تعالى، ومن أسمائه المحيط الشهيد جل وعلا، أي الذي يشهد على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، فلقد أحاط اللَّهُ تعالى بكل شيء علماً وسمعاً وبصرا.

ومن أعظم شهادات اللَّهِ تعالى في مواضع عظيمة وجليلة القدر ومنها:

اولاً: شهادته لنفسه الطاهرة بالوحدانية ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران:((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

فمن أشرك باللَّهِ غيره من خلقه فقد كذٌب شهادة اللَّهِ تعالى لنفسه بالوحدانية.

ثانيا: شهادته جل وعلا على جميع الأنبياء والمرسلين أن إذا بُعِثَ مُحمَّدٌ صلى اللَّه عليه وسلم وهم أحياء أن ينصروه ويصدقوه ويؤمنوا برسالته ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران:((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (81)

وهذه مَزِيَّةٌ للنبي مُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه وسلم ولم تقع لنبي قبله.

ثالثا: شهادته لدين مُحمَّدٍ صلى اللَّه عليه وسلم بالظهور على الدين كله ومنه قوله تعالى في سورة الفتح:((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)

رابعا: شهادته على كذب المنافقين في ما ادعوه من إيمان وإسلام ومنه قوله تعالى في سورة المنافقون:((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1).

أما شهادة الصادق المصدوق سيدنا مُحَمَّدٍ صلى اللّهُ عليه وسلم فهي أنواع:

الأولى: وهي شهادة النبي مُحَمَّد صلى اللّهُ عليه وسلم “العامة” للأنبياء والمرسلين بتبليغ رسالات ربهم لأقوامهم ومنه قوله تعالى في سورة النساء:((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (41).

وشهيد كل أمة رسولها ونبيها، والذي يشهد لأولئك الأنبياء والمرسلين بأنهم بلّغوا الرسالة وأدوا الأمانة هو سيدنا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، ولذلك جمعهم اللّهُ تعالى لرسوله صلى اللّهُ عليه وسلم في ليلة الإسراء فصلى بهم جميعا في بيت المقدس ليؤكد شهادتهم له صلى اللّهُ عليه وسلم بالنبوة والرسالة الخاتمة، وكذلك يؤكد شهادته لهم صلى اللّهُ عليه وسلم بتبليغ رسالات ربهم لأقوامهم.

هذه الآية المباركة أبكت النبي صلى اللهُ عليه وسلم يوم قرأها عليه ابن مسعود رضي اللّهُ عنه، فلما بلغها قال له النبي صلى اللّهُ عليه وسلم:(حسبك) أي توقف فيقول ابن مسعود :”فنظرت إلى النبي صلى اللّهُ عليه وسلم وإذا عيناه تذرفان بالدموع صلوات ربي وسلامه عليه استشعاراً منه بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه أمام اللَّهِ تعالى غدا يوم القيامة وهو يشهد لإخوانه الأنبياء والمرسلين بتبليغ رسالات ربهم من غير تقصير صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

الثانية: شهادة النبي صلى اللّهُ عليه وسلم “الخاصة” على أمته يوم القيامة ومنه قوله تعالى في سورة البقرة:((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ)).

فالرسول صلى اللّهُ عليه وسلم سوف يشهد شهادة خاصة على أمته بأنهم قد بُلِّغوا الرسالة التي بُعِثَ بها سيد الأولين والآخرين مُحَمَّد صلوات ربي وسلامه عليه.

الثالثة: شهادته صلى اللّهُ عليه وسلم لأصحابه بأنهم خير القرون التي سبقتهم والتي سوف تأتي بعدهم ومنه قوله صلى اللّهُ عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما:(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)

فجيل الصحابة خير الناس بعد الرسل

ثم جيل التابعين لهم بإحسان

ثم جيل أتباع التابعين بإحسان

وقيدُ الإحسان شرط في إثبات الخيرية والأفضلية لأن في غضون هذه القرون ظهرت كثير من البدع والأهواء.

ولذلك قال الله تعالى في سورة التوبة:((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100

فشهد بالعدالة المطلقة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار

ثم شهد بالعدالة المقيدة لمن اتبعهم بإحسان.

شهادة الأمة الإسلامية

وهي شهادة الأمة الإسلامية على بقية الأمم ومنه قوله تعالى في سورة النساء :((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ))الاية143

والأمة حتى تكون أهلاً للشهادة على غيرها فيجب أن تكون عدلاً، والأمة العدل هي الأمة الوسط بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصيروالهدر والتضخيم.

فأمة الإسلام لما معها من الحق الذي نزل به الكتاب وجاءت به السنة هي أمة معتدلة ومنصفة ومتزنة ومقسطة.

وقوله تعالى:((جَعَلْنَاكُمْ)) بمعنى الجعل الشرعي الديني الذي يحبه الله تعالى ويرضاه لهذه الأمة شرعا ودينا.

فإن الجَعْلَ نوعان: الأول:هو الجعل الشرعي الديني المرضي والمحبوب عند اللّهِ تعالى، مثل هذا الجعل في هذه الآية وغيرها.

الثاني : الجعل الكوني القدري وقد لا يحبه اللّهُ تعالى ولا يرضاه شرعاً ولا ديناً ولكن يريده قضاءً وقدراً وتكويناً، مثل قوله تعالى في سورة الفرقان:((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وغير ذلك مما جعله الله كوناً وقدراً، ولم يجعله شرعاً ولا ديناً.

فقوله تعالى في سورة أل عمران:((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))الآية 143 تعني أن هذه الشهادة تكون في الدنيا والآخرة، فما شهدت به الأمةُ على فرد أو جماعة او مِلَّة أو عقيدة فإن هذه الشهادة هي شهادة حق لأن اللّهَ تعالى اختار أمة مُحَمَّدٍ صلى اللّهُ عليه وسلم أن تكون أمةً شهيدةً وشهِدَ لها النبي صلى اللّهُ عليه وسلم بذلك.

فأما شهادة اللّهِ ففي هذه الآية المباركة في قوله تعالى:((وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))

والجَعْلُ هنا شرعيٌّ دينيٌّ مرضيٌّ ومحبوبٌ عند اللّهِ تعالى.

وأما شهادة النبي صلى اللّهُ عليه وسلم ففي قوله:(أنتم شهداء اللّهِ في الأرض ) رواه البخاري في صحيحه.

فالأمة إذا أجمعت على شهادةٍ أو حكمٍ فهو حقٌّ لا مِرْيَةَ فيه لقوله صلى الله عليه وسلم :(لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه أهل السنن إلا النسائي والإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك بأسانيد يعضد بعضها بعضا مع الشواهد وتلقي الأصوليين له بالقبول فهو حديث حسن أو صحيح لغيره.

ولذلك ترى الأُمّةَ قد اتفقتْ على قتال المرتدين في زمن سيدنا الصِدِّيق رضي اللّهُ عنه.

واتفقت على قتال الخوارج في زمن سيدنا علي رضي اللهُ عنه.

وأجمعت على ضلال كل دين أو ملة أو عقيدة غير عقيدة الإسلام.

وأجمعت على ضلال الجهمية.

وأجمعت على عدالة الصحابة.

وأجمعت على عدالة التابعين لهم بإحسان، وغير ذلك من مواضع الإجماع القطعي.

وأما ما أجمعت الأمة عليه إجماعاً ظنياً فلا حجة فيه لأحد على أحد، لأن الظني حمّال وجوه.

مهمة:

وأما ما اختلفت الأمة في الحكم عليه من الأفراد والجماعات فلا حجة لأحدٍ على أحد فيه ويبقى الأمرُ حيِّزَ البحث والتقصّي وجمع القرائن على الذمِّ أو المدح أو الردِّ أو القبول.

Similar Posts