|

قواعد في المتغيرات وفقه الموازن

الشيخ عبد المنعم البدراني

أن تصِفَ من يخالفك الرأي بالكذب أو الضلالة أو البدعة ليس من الموعظة الحسنة، فإن ما تذهب إليه هو رأي؛ ومن يخالفك هو رأي، ولا يجوز وصف المخالف بالرأي بالكذب والبدعة والضلالة، لأن المخالف قادر على وصف رأيك بالكذب والضلالة والبدعة أيضا، فإنهما مستويان في درجة الاستدلال.

انظر وتأمل يرحمك اللَّه.

فالموعظة الحسنة تقتضي أن تعرض رأيك دون الإساءة الى الآخرين وخصوصا في مسائل الرأي والتصور فيما هو ظني الثبوت أو الدلالة.

أما انقسام الناس إلى: كاذب وصادق، ومخطئ ومصيب، وضال ومهتدي، ومحق ومبطل، فذلك في قطعيات الشريعة، وأما الظنيات في المتغيرات والمستجدات والمستحدثات فإن أدلتها ظنية، والظني حمّال وجوه.

وفقهُ الموازنات فيه نسبي، فما تراه صحيحا يراه غيرك خطأً، وما تراه مصلحةً يراه غيرك مفسدةً، وما تراه مفسدةً يراه غيرك مصلحةً، وما تراه راجحاً يراه غيرك مرجوحاً، وما تراه مرجوحاً يراه غيرك راجحاً.

وهذه قاعدة كلية في المتغيرات، فاعرِضْ رأيك دون المساس بالمعارض لك ، ففي المتغيرات ليس هناك شيء ثابت فما تراه اليوم مصلحةً ربما يتغير رأيك فيه غدا فتراه مفسدةً، وذلك لمعطيات جديدة بدتْ لك، وما تراه مفسدةً قد يتغير رأيك فيه فتراه مصلحةً لعارض جديد عرضَ لك ، فليس هناك ثابت فيما يراه الناس من الرؤى، إلا ما قطع الشارعُ بثبوته.

قوله تعالى في سورة العصر :((وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3))

وقوله تعالى في سورة البلد:((وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17))

فالصبر في الأولى قابل الصبر في الثانية.

والحق في الأولى قابل الْمَرْحَمَةَ في الثانية

فالحق كله رحمة ومرحمة، والمرحمة تعني التراحم بين الناس

فالحق رحمة وتراحم، فلا يكون الرجل من أهل الحق إلا إذا كان من أهل الرحمة والمرحمة، فالحق يستلزم الرحمة بالخلق، ولذلك وصف اللّهُ تعالى نفسه بالرحمن الرحيم، لأنه هو الحق سبحانه، ولم يكتفِ اللّهُ تعالى بوصف نفسه بالرحمة، بل ألزم نفسه الشريفة بها فقال جل وعلا في سورة الأنعام: ((كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ))، بل وجعلها تغلب على غضبه سبحانه كما قال النبي صلى اللّهُ عليه وسلم :(لما قضى اللّهُ الخلقَ ، كتب في كتابِه ، فهو عندَهُ فوقَ العرشِ :إِنَّ رحمتي غلبتْ غضَبِي). رواه الشيخان

وأرسل اللّهُ تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وجعل الرحمة ملازمة لهذا الحق الذي بعث به سيدنا مُحَمَّد صلى اللّهُ عليه وسلم فقال جل وعلا في سورة الأنبياء :((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)).

فكل من يعتقد أنه من أهل الحق فلا بد أن يتحلى بصفة الرحمة بالخلق كلهم، بَرِّهِم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فيزداد البَرُّ والمؤمن حباً وولاء، ويزداد الكافر والفاجر سمعاً للحق وإنصاتا.

Similar Posts