موعظة نفيسة في كتاب تأصيلي

بقلم : د. محمد الحاج عيسى

متعلقة بالطعن في العلماء والتماس الأعذار، وكشف الدواعي النفسية إلى ذلك …

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه اختلاف القولين (274-277): “أوصيك يا أخي بإحسان الظن بالناس كافة خصوصا بالعلماء ، ومن جملة إحسان الظن بالعلماء أن تطلب لكلامهم وجها وعذرا ما أمكن، فإن لم تعثر عليه اتهم نفسك في القصور عن دركه … وإياك أن تكون مشغوفا بالنقد والاعتراض وتزييف كلام الناس وكن مؤمنا يطلب المعاذير ولا تكن منافقا يتبع العثرات…وكن من الذين قال الله تعالى فيهم (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) [الزمر: 18] ودونك الاقتداء بعيسى عليه السلام إذ مر مع أصحابه بجيفة كلب فقالوا : ما أنتن هذه الجيفة ، فقال عيسى صلوات الله عليه : ما أحسن بياض أسنانه ، تنبيها على أنه ينبغي أن يذكر من كل شيء أحسنه، وإشارة إلى النفس الخبيثة هي التي تحث على أن يذكر من كل شيء خبائثه وقبائحه ، والنفس الزكية تحب أن تسمع من كل شيء مآثره ومحاسنه…

واعلم يا أخي أن الشغف بالنقد والتزييف والاعتراض لا منشأ له من الباطن إلا عرقان خبيثان عرق سبُعي وعرق شيطاني.

فأما العرق السبعي فإنه يدعو إلى تمزيق الأعراض وتنقيصها وتحقيرها وتقبيحها، وإنما قوة هذا العرق وطعمته استباحة الأعراض والنفوس ، ولا يتوصل إليها بالتمزيق والهتك، كما أن طعمة السبع لحوم الحيوانات ولا يتوصل إليها إلا بالقتل والتمزيق والفتك…

والعرق الثاني وهو العرق الشيطاني قوته وطعمته الكبر وإثبات النفس ودعوى التفوق والاستيلاء على الكل ، بل دعوى الربوبية ، وهو الاختصاص بخاصية الكمال مع الترفع عن المساهمة والمشاركة فيها.

وهذا العرق يدعو إلى الطعن والتزييف لأقوال الناس وأعمالهم، لأن في ضمن التزييف نفي للغير، وفي ضمنه إثبات النفس بإظهار الفضل على الغير …

ولهذا لا يجوز تزييف كلام الغير والطعن فيه إلا لضرورة وحاجة، وإنما الذي يرخص فيه طلب العذر على سبيل الاستفهام والاسترشاد لا على سبيل التعنت والطعن والعناد.

ثم قال: إياك ثم إياك إذا اعتقدت مذهبا أن تطعن في صاحب مذهب يخالفك، فإن هذا يحرك داعية الطعن في صاحب مذهبك، فتكون أنت الطاعن على التحقيق في صاحب مذهبك، لأنك استجررته بالتعنت عليه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:”لعن الله من سب والديه” فقيل : ومن الذي يسب والديه ، فقال :”من يسب والدي غيره فيسب والديه ” أو لفظ هذا معناه ، وقال الله تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم) [الأنعام: 108]” انتهى

كان غرض الغزالي رحمه الله الرد على من طعن في فقه الشافعي رحمه الله لما عرف به من ذكر قولين في المسألة الواحدة في الموضع الواحد، ولعل وقوفي على هذه الموعظة هذا الصباح من محاسن الصدف الموافقة لما نشرته البارحة وقبله من منشورات في ذات السياق، وهذا الكتاب مطبوع ضمن العدد الثالث من مجلة الجمعية الفقهية السعودية (سنة 2008) -ومن بركة العلم نسبته إلى أهله ولا معنى للنسبة من غير نشر التوثيق في عصرنا وخاصة في هذه الفضاءات -.

نسأل الله تعالى أن يبصرنا بعيوبنا وأن يطهر قلوبنا وأن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبتنا على المنهج القويم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Similar Posts