كشف الخفاء في أصل مادة الإنساء

الشيخ هبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة التوبة :((إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (37)

وكلمة:((ٱلنَّسِيٓءُ)) من الفعل “أنسأَ” الشيء إذا أخَّرَّه، ويراد به في هذه الآية هو تعمد العرب في الجاهلية على تأجيل الشهر الحرام إلى شهر صَفَر لِيُحِلُّوا فيه القتال.

ومنه ربا “النَّسيئة” أي تأخير سداد الدين الى أجل مسمى، مع زيادة ربوية على القرض.

ومنه قوله صلى اللّهُ عليه وسلم مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له فِي رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)رواه البخاري.

فقوله صلى اللّهُ عليه وسلم (وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ) اي يُؤخَّرَ له في أجله ويُمَدَّ له عمره بسبب صلة أرحامه.

ومنه قوله تعالى في سورة سبأ ((فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ)) الآية 14.

وقوله تعالى:((مِنسَأَتَهُۥۖ)) أي عصاه التي يتكأ عليها، فسميت بهذا الاسم لأنها تتقدم على من يتكأ عليها وتؤخره عنها، وكذلك تستخدم في الهشِّ على الغنم والإبل فتؤخر الراعي عنها.

قوله تعالى لرسوله صلى اللّهُ عليه وسلم في سورة المدثر :((وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ (6)).

أي: لا تَمُنَّ على أحد دعوتك له إلى الإسلام، تستكثر به مالاً أو جاهاً، فإنما المَنَّةُ للَّهِ تعالى عليك بالنبوة والرسالة، وله المِنَّة على المؤمنين بإرسالك إليهم ليخرجهم بك من الظلمات الى النور.

ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران :((لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (164)).

وقوله تعالى في الحجرات :((يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (17)).

والذي دعاني إلى ترجيح هذا المعنى من أقوال السلف هو أن سورة المدَّثر في الأصل قد نزلت لتخبر النبي صلى اللّهُ عليه وسلم بأنه رسول لقومه، بعد أن أخبره اللّهُ تعالى بأنه نبي في سورة العلق، ولذلك قال اللّهُ تعالى له قبلها :((يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ (1) قُمۡ فَأَنذِرۡ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ (4) وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ (5)

وقوله تعالى:((وَٱلرُّجۡزَ)) اي الشرك و الجاهلية.

ثم أدَّبَه ربُّهُ بأدب إخلاص العبودية له سبحانه بأن لا يَمُنَّ على أحد من الناس دعوته وإنذاره لهم، إنما يبتغي بذلك وجهَ اللَّهِ وحده لا شريك له بقوله :((وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ (6)).

وفي هذا الموضع الشريف من مواضع النبوة والرسالة والدعوة والنذارة درس بليغ للدعاة والعلماء وطلاب العلم أن لا يمُنُّوا على الناس علمَهم ولا دعوتهم ولا تعليمهم لهم الخير، فإنما المِنَّة للّهِ وحده على من تعلم أو دعا أو أرشد أو أنذر من شرٍّ، أو بَشَّرَ بخير، فإن ذلك قد وقع بفضل اللهِ عليه كما قال اللَّهُ تعالى لرسوله صلى اللّهُ عليه وسلم في سورة النساء :((وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا (113).

Similar Posts