تعليقُ الفوزِ والنصر بالثباتِ والذِكْر
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة الأنفال :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)
و :((فِئَةً)) نكرة في سياق الشرط وهي تفيد العموم
فهذا أمر من اللَّهِ تعالى للمؤمنين الصادقين بأن يثبتوا في أرض النزال إذا لَقُوا أيَّةَ فئةٍ كافرةٍ ابتداءً من غزوة بدر الكبرى والى قيام الساعة فكانت :
غزوة بني قريظة وبني النضير بوجه اليهود
وكانت حروب الردة بوجه المرتدين
وكانت اليرموك بوجه الصليبيين
وكانت القادسية بوجه المجوس
وكانت عين جالوت بوجه التتر المغول
والثبات لا يستلزم أرض القتال فحسب؛ انما يستلزم الثبات على الحق والعدل سواء أكان المؤمنون متمكنين أم مستضعفين، فإن اللقاء قد يكون عسكريا او فكرياً أو عقديًا أو منهجيًا أو سلوكياً او أخلاقياً.
انظر وتأمل يرحمك الله.
ثم أمرهم جل وعلا بِذِكْرِهِ كما في قوله تعالى:((وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)) فإنَّ ذكْرَهْ سلاحُ المجاهدين، وعِدَّةُ الصابرين، وذخيرةُ الشاكرين، ورصيدُ المستضعفين، ومؤونةُ المهاجرين إلى اللَّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم.
ومن ذلك قوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي وغيره :(( عبدي كلٌّ عبدي منْ ذكرني وهو مُلاقٍ قِرْنَه))
ذكره الحافظ بن حجر في الفتوحات الربانية وقال: حسن غريب
وقوله تعالى:((عبدي كل عبدي))فيه دلالة على تجرد المؤمن من كلِّ حَوْلٍ وقوةٍ إلا حول اللَّهِ وقوته ،وأقبل بكلِّيته على اللَّهِ تعالى توكلاً واستعانةً ولِواذاً.
وقوله تعالى:((وهو ملاقٍ قِرنَه))
اي ملاقٍ عدّوَه فإن هذه المناجزةَ والمنازلةَ واللقيا بعدوه لم تُنْسِهِ ذكره ربَّه والاستعانةَ به واللواذَ بجنابه الكريم.
وعَلَّقَ الله تعالى الفلاحَ والنصرَ للمؤمنين بهذين الأصلين:
الثبات وذكر الله تعالى فقال عزَّ مِن قائل:((لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45).
فيا أهل الثغور
في غزة العزة والكرامة وغيرها من ثغور الإسلام:
عليكم بالثبات على الحق والعدل،
وعليكم بذكر الله تعالى في كل المواضع، فإنه السلاح لذي لا ينضب، وهو الحصن الذي لا يُهدم، وهو الدرع الذي لا يُكسر.
قال ابن القيم رحمه الله:
“كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين”.
الداء والدواء، ص (99).
قلت: رحمَ اللَّهُ تعالى شمسَ الدين، أوجز الحكمة من إرسال الرسل وبعثة الانبياء وإنزال الكتب المقدسة، فكل ذلك تفضّل اللَّهُ تعالى به على خلقه ليُرشدَهم إلى الحق ويحذرَهُم من الباطل ومدارُ ذلك تقوى الله تعالى فكلما كان المرءُ تقيِّاً كان أقدَرَ على معرفة الحق وتمييزه عن الباطل .
ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
وفي الآية جملة من المسائل:
الاولى: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))
هو خطابٌ لأهل الإيمان والإسلام فإنَّ معرفةَ الحقِّ وإيثارَه على الباطلِ لا يتحققُ الا بالإسلام والإيمان
الثانية: قوله تعالى:((إِن تَتَّقُوا اللَّهَ)) وهذا شَرْطٌ.
الثالثة: قوله تعالى:((يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ )) وهذا هو جوابُ الشرْطِ وَتُحَفُهُ وهداياهُ ومِنَحُهُ من الله تعالى الكريم
وأَوَّلُها: يُلْهِمُكُم الآلةَ والقدرةَ والمُكْنَةَ على التفريقِ بين الحقِّ والباطل وهي معنى قوله تعالى:((يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا))
وثانيها: تكفيرُ السيِّئات وهي معنى قوله تعالى :((وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ))
وثالثها: مغفرةُ الذنوب وهي معنى قوله تعالى :((وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ ))
المسألة الرابعة: قوله تعالى:((وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29))
أيْ إنَّ تقواهُ جلَّ وَعلا والتفريقَ بين الحق والباطل وتكفيرَ السيئات ومغفرةَ الذنوب بفضلِه وكرمِه على من يشاء من عباده.
ولا يُقتَصَرُ على معرفةِ الحقِّ والتفريقِ بينه وبين الباطل وإنما يستلزمُ ذلك إيثارَه على الباطل.
فإن عرفَ الحقَّ ولم يُقدِّمه على الباطلِ ولم يَتَبَنَّهُ وَيَدْعُ إليه وَيُوالِ فيهِ وَيُعادِ فيه فإنَّ معرفَتَهُ للحق وفرقانَه عن الباطل لا ينفعُ إذا لم يرافقْ ذلك انتماءٌ إليه ولأهلِه ونُصرتُهم على اهل الباطل والبراءةُ منهم.
وبالفرقان بين الحق والباطل وولاءِ الحقِّ وأهلِهِ والبراءةِ من الباطلِ وأهلِهِ يتفاوتُ فيه الناسُ تفاوتًا عظيمًا وبه يُحَدَّدُ منازلُ الناسِ عندَ اللَّهِ وفي الجنَّة.