الإيمان بالغيب والقرآن

الناقد أدهم الشبيب

المؤمنون والملحدون على طرفي نقيض لا نقطة التقاء بينهما ينطلقان منها عند التحاور أو التناظر، وأي محاولة للنقاش المفضي إلى نهاية مرضية بينهما هي ضرب من الجدل غير المنتج لشيء.
وكل هذا بسبب نقطة الإيمان بالغيب، فأن يكون الإيمان بالغيب هو مفتاح عقيدتك فأنت أبعد ما تكون عمن يريد أن يرى {اللَّهَ جَهْرَة} فالقرآن {فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وليس للمجادلين، هدى ل {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} وليس هداه للذين ينكرون كل ما لا تراه أعينهم، بل إن منهم من إذا رأى بعينيه طلب غير ذلك {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
والقرآن فيه هدى ل {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ} فإن لم يكن لك رغبة في إقامة الصلاة لرب تعبده فأنت بعيد عن أن تهدى بالقرآن، الأمر يتعلق كثيرا بالتركيبة العقلية والنفسية الأصلية للإنسان وليس للوراثة أو حتى ما تربى عليه دور كبير، فمنهم من ولد على الإيمان وتربى عليه ولكنه ألحد لاحقا وأنكر بعد أن بلغ “النضج” واستقل بالتفكير، فقاده عقله “المادي” ونفسيته “الجافة” إلى أن لا خلق يكون من خالق لا يراه ففضَّل أن يكون الخلق بلا خالق خلافا لمنطقه هو، فهرب إلى تخيل كل شيء وافتراض أي أمر إلا أن يكون للكون وللإنسان خالق لا يريه نفسه أو يكلمه ليؤمن به!
لا قيمة عنده لما يراه من آثار هذا الخالق لا في الفيزياء الكونية التي من حوله ولا في بدنه ومعجزة عمله وحركته وطاقته وديمومته التي يستمدها من الطعام والشراب، لكنه يؤمن أن لمحرك السيارة صانع وتستمد طاقتها من البنزين والزيت او الغاز او الكهرباء، وينبهر بهذا الصانع ويكاد يعبده لولا أنه يعلم أنه يذهب إلى الغائط وأن هناك -دائما- صانع أفضل منه.
هو لم ير ذلك الصانع و لكن قبل أن يصدقه من أثر صناعته وهو مطمئن أن أناسا آخرين رأوه ويدري أين يعيش وأين ينام في أي ركن من هذا العالم الفسيح.
أما خالق السماء ومفجر الماء ومسخر الرياح والسحاب ومنبت الزرع للطعام ومهيئ الحيوان للأنام فلا يمكنه تصديق أنه موجود لأنه يريده أن ينام ويأكل ويري نفسه لشاهدِ ما كما فعل صانع السيارة ذلك، وكل هذا بسبب صعوبة الإيمان بالغيب على عقله ونفسه ووجدانه.
فميزة المؤمنين وحظ الموحدين هو في فكرة إيمانهم بالغيب، فقد قبلت عقولهم ذلك واستيقنته نفوسهم، ومن هذا انطلقوا إلى ما تبقى من دين ومن شريعة وسنة وأحكام و أطاعوا الأوامر عقيدة -وإن عصوا- وتجنبوا النواهي فطرة وإن -أتوا- ، فصار القرآن نور قلوبهم ودستور دروبهم وهداية ليومياتهم ووجدوا فيه المستعصي من الإجابات والمطمئن الحاسم لقضية البدايات والنهايات فهدأت نفوسهم وانطلقوا لإدامة الحياة -دون ياس او قنوط – كما أمر ، والى الاستعداد للآخرة والى نهاية رحلة الحياة المؤقتة الدنيا الى الحياة الدائمة العليا دون حيرة او تيه طما سطّر.
أما نصيب المنكرين فكان ظنهم أن العقل قادر على احتواء كل شيء وتمييز ما هو أعلى منه وإدراك ما هو خارج عن قدرته، فغرهم العقل القاصر وأغلقوا عيونهم عن سماء فوقهم مبنية بغير عمد وعن جبال راسيات لا تميل وبحار متلاقيات وعن أصقاع متراميات، وحجبوا عقولهم عن التفكر ونفوسهم عن التدبر وكل هذا مرجعه لنكرانهم الغيب وأنفتهم عن اتباع الروح والمنطق وانحيازهم عن جادة الفهم السليم لخالق أكوان وحيوان وزروع وطبيعة وإنسان. ففاتهم أن فهمه وتصديقه وطاعته لابد تختلف عن تصديق وفهم من هو دونه، وتمادوا بانغلاقهم على الرؤية بالعين وازدرائهم بفكرة الإيمان بالغيب حتى كلفوا أنفسهم فوق قدرتها وحملوا عقولهم فوق طاقتها ، فكانت النتيجة التيه والضياع ونبذ التدبر وخسارتهم للانتفاع من كتاب عظيم فيه {تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، وفاز {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} و عصى الذين يجادلون في الله و {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، فاللهم لك الحمد لما هديتنا من الإيمان بغيبك ومن الرضا بقدرك والخشية من سؤالك عن عرشك وحكمك وعذابك ومغفرتك وما شئت وما تشاء من أفعالك وأن أسالك عن موعد قيام الساعة وأمر الروح وحساب الناس {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}.

Similar Posts