القول المُسَدَّد في تبيان اسم الإشارة “ذلك” في سورة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم

الشيخ عبد المنعم البدراني

ورد اسم الإشارة”ذلك” في سورة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أربع مرات، في كل موضع يشير الله تعالى باسم الإشارة”ذلك” إلى صنف معين من الناس في سياق ما قبله .
وأول المواضع قوله تعالى :((ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ (1) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ (3)
فاسم الإشارة هنا هو تبيان لعلة حكمين:
الأول :قوله تعالى: ((ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ (1)
ثم بين سبب إضلاله لهم فقال:((ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ)) فكل من يتبع الباطل أضلّه الله تعالى على علم، عدلاً منه وحكمة وأن الله ليس بظلّام للعبيد
ثم ذكر نعمته على المؤمنين فقال:((وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ (2)
ثم بين علة فضله عليه بعد اسم الإشارة في قوله:((وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَبِّهِمۡ))
فكل من اتبع الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه من ربه فهو على بيِّنةٍ من ربه وهدىً وبصيرة، فضلا من الله ونعمة، وله من ربه جل جلاله نعمتان:
الأولى :في قوله تعالى:((كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ))
الثانية:((وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ (2))
وهي نعمة عظيمة في صلاح البال وهو :ذهاب الهمِّ وزوال الغمِّ وقناعة النفس وانشراح الصدر وراحة القلب ونور البصيرة.

الموضع الثاني لاسم الإشارة في سورة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى :((ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ (9))
و سبب الإشارة هنا هو تعليل لقوله تعالى قبل ذلك:(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ))
لأن كرهوا ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة والشرعة المباركة والمنهاج القويم، فحكم عليهم بالتعاسة في الدنيا والآخرة وذلك لحبوط عملهم.

الموضع الثالث لاسم الإشارة في سورة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى :((ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ (11))
وجاء اسم الإشارة هنا بعد أن دعا الله تعالى المؤمنين للقتال في سبيله فقال جل وعلا:((فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ))
وقوله تعالى:((وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ (4) سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ (5))
وصلاح البال هنا هو عين اليقين الذي سوف يتحقق للشهداء في سبيل الله من رؤيتهم لجنة النعيم ولذلك قال الله تعالى :((وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ (6)).
وقوله تعالى :((يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ (7)) وهنا ذكر الجزاء من جنس العمل، فمن عقد النية على نصرة الله تعالى فإن الله سوف ينصره ويثبت أقدامه ويسدد رميه.
ثم أشار إلى الحقيقة الشرعية الدينية فقال:((ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ (11))
فهنيئاً لكم أيها المجاهدون المرابطون في غزة العزة والكرامة وفي غيرها من ثغور الإسلام بولاية الله تعالى لكم، وعنايته بكم، وحفظه وثبيته لكم.
وفي الوقت نفسه بين أن أعدائكم لا مولى لهم، وإن اصطف معهم العالم كله، فمن كان الله مولاه فلا غالب له وإن اجتمع عليه الجن والإنس في صعيد واحد
وأما الموضع الرابع والأخير لاسم الإشارة :”ذلك” في سورة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، ففي قوله تعالى :((ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ (26))
وهو إشارة إلى المنافقين والذين في قلوبهم مرض وريبة مما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى قبل ذلك :((وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ (16))

وقوله تعالى:(( فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ))
وقوله تعالى:((إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ))
ثم أشار بعد ذلك لسبب نفاقهم بقوله جل جلاله :((:((ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ (26))
والذين كرهوا ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم هم اليهود والنصارى، فقال لهم المنافقون:((سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ)) فصاروا لهم عملاء وعيونا وآذانا على المسلمين.
اللهم عليك بالمنافقين فإنهم لايعجزونك.

Similar Posts