المذهب الواحد وتنبيه الغُيُر عمَّا في المغازي والسِيَر
الشيخ عبد المنعم البدراني
الأضرار والمفاسد في حمل البلد أو المدينة على مذهب إمام واحد
سمعت خطيب الجمعة يقول: تقرر حمل أهل المدينة على مذهب الإمام الشافعي وحده، وذلك لتقليل المفاسد والاختلافات بين المسلمين!
قلت: الفتن والخلافات والمفاسد سوف تنتج عن هذا القرار الخطير والمخالف للأصول وأقوال الأئمة أنفسهم، الشافعي وغيره.
فأما مخالفته الأصول، فإن المقرر عند الأصوليين أن الاختلافات الفقهية والفرعية بين الأئمة الأربعة وغيرهم لا حرج فيها ولا مانع منها لأنه في أغلبه يدخل في اختلاف التنوع.
وقولي: “في أغلبه” احترازاً من اختلاف التضاد في بعض المسائل وهو نزر قليل قياسا إلى اختلاف التنوع فيما بينهم.
وأما مخالفته لأقوال الأئمة فهو معلوم عنهم بأنه لا يعتقد واحد منهم بأنه يمثل الحق والسنة دون ما سواه من الأئمة، وحادثة الإمام مالك مع الخليفة ابي جعفر المنصور صريحة بذلك، فلقد أراد الخليفة أبو جعفر أن يحمل الأمصار كلها على مذهب الإمام مالك وما قرره في موطئه، فرفض الإمام مالك ذلك، وعلل رفضه بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في الأمصار، وما جمعه في موطئه يمثل أقوال بعضهم ممن بلغه أقوالهم، وهذا من ورعه وتقواه رحمه الله تعالى.
ولقد جرَّ حمل بعض الأمصار على مذهب إمام واحد ويلات ومفاسد جمة، فلقد اعتقد أهل تلك الأمصار بأن ما تبنوه من مذهب واحد هو الحق والسنة، وأن من اتبع غير مذهبهم من المذاهب الأخرى صاحب بدعة وضلالة!
إن للمسلمين مشارب فقهية متنوعة، ومازال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مختلفين في الفروع ويعيشون في مصر واحد، وكذلك التابعون وأتباع التابعين من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وكذلك من اتبع مذاهبهم من الأعلام والعلماء والفقهاء.
وحمل بعض الأمصار على مذهب معين هو فعل المتعصبين لتلك المذاهب.
فمن كان متعصبا لأبي حنيفة حملهم على مذهبه دون غيره، وكذلك من تعصب لمالك أو الشافعي وأحمد، أو تعصب لمذهب الظاهرية أو الزيدية أو الإباضية.
واليوم نحيا وعيا فقهيا واسع النطاق بين المسلمين بسبب وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الدراسات الفقهية الجامعية والمراكز البحثية والمجامع الفقهية ومراكز الإفتاء التي تبنت الفقه المقارن بين المذاهب، فلا يمكن بحال من الأحوال مع هذا الانفتاح الفكري والإعلامي والحضاري، أن نحمل هذا الجيل الواعي والمطلع والمنفتح على العالم بأسره على مذهب واحد لنعود به إلى تلك القرون البائدة.
تنبيه الغُيُر إلى تحرِّي المصلحة في رواية الصحيح في التاريخ والمغازي والسِيَر
والغُيُرُ جمع غيور، فمن كان غيوراً على دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، فليحرص على ذكر الروايات الصحيحة التي من شأنها أن ترفع من قدرهم، وتُعلي من شأنهم، وتُنصِّعُ تأريخهم، وتمجِّدُ أمرهم.
ومن المصلحة الشرعية الإعراض عن كل رواية صحيحة يمكن لها أن تُؤوّلَ ضدهم، وإن تستخدم كذريعة للطعن بهم وبدينهم، وهذا واضح عند أهل البدع والأهواء الذين يستغلون السرد التأريخي عند بعض المحاضرين والناشرين لسير الصحابة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم دون النظر في المفاسد الشرعية لهذا السرد، فيصير حجة عند أهل البدع للنيل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات.
العبرة إذن ليس في صحة الرواية فحسب، وإنما العبرة بما يتمخض من تلك الرواية من شبهة تكون بضاعة أهل البدع والأهواء للانتقاص من السلف الصالح وأمهات المؤمنين، فلا داعي لذكر أية رواية وإن كانت في الصحيحين إذا كان من شأنها أن تكون وسيلة للطعن والإساءة لخير القرون