من وحي رمضان
بقلم : د. محمد الحاج عيسى
من المشاهد اللافتة للنظر في رمضان: مشهد التوبة العامة والرجوع الجماعي إلى الله تعالى، مشهد المساجد المكتظة بالمصلين في الفريضة وفي قيام الليل، مشهد تلك الجماهير التي تقلع عن المعاصي وتزيد من الطاعات وتتنافس في الخيرات، وإن هذا المشهد ينطوي على جملة من العبر.
1- منها أنه يدل على أن الخير ما زال موجودا في أكثر الأمة، وأن الإيمان لم يرفع بعد، وأنه لا محل لليأس والقنوط الذي يريد أن يبثّه بعض القاعدين الفاشلين، الذين يقولون مثبطين غيرهم لِمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا.
2- وإذا علمنا أن هذا الرجوع الجماعي إلى الله تعالى كان تلقائيا، كان في ذلك بيانا واضحا لتقصيرنا في مجال الدعوة إلى الله وإلى الخير، وأنّ الجهد المبذول من الطائفة العاملة على الساحة الدعوية لا يفي بما هو مطلوب وواجب لإصلاح الأمة.
3-وفيه أيضا درس آخر لأعداء الدين الذين يسعون جاهدين أن يبعدوا الأمة عن دينها وأن يمحوا كل معالم انتمائها إلى الإسلام، فإنهم إذا رأوا ذلك المشهد علموا أنهم مهزومون لا محالة، وأنهم مهما أنفقوا من جهد ومال ومهما أغروا الشباب المسلم وشغلوه عن دينه، فإنه بين لحظة وأخرى معرض ليقظة القلب التي تقلبه رأسا على عقب وتصيره جنديا من جنود الرحمن بعدما كان مرتميا في أحضان أولياء الشيطان.
4-وهذه المعاني كلها مما يبعث الأمل في النفوس الخيرة التي تعمل لعزّ الأمة وتمكينها واستعادة أمجادها، ويساعدها على الاستمرار في الدعوة، وعلى الصبر والمصابرة وتحمل المشاق في سبيل إيصال الكلمة الطيبة التي تنير الطريق لأبناء الأمة وتحيي قلوبهم وتربطهم بربهم وتذكرهم بواجباتهم نحو ربهم ونحو دينهم ونحو إخوانهم المؤمنين.
من وحي رمضان: “كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف”.
هذا أثر يكثر تداوله بين الناس في شهر رمضان؛ ولكن في سياقات مختلفة، أوفقها سياق التأكيد على الاقبال على القرآن في هذا الشهر الكريم، ومزيد العناية به تلاوة وتدبرا..
ومن الناس من يضعه في سياقات أخرى خارجة عن مراد الإمام مالك قطعا ومصادمة لدلالة النصوص ومنافية لمقاصد الشرع. وهذا يجلي مشكلة في تعامل البعض مع آثار السلف؛ حيث تعطى لها دلالات ربما لا تعطى للنصوص، وربما يقدم الأثر على النص، مع كونه فعلا لا قولا ؛ وصادرا من واحد لا من المجموع ..وكل هذا غلط…
1-فبعض العوام يستند إلى هذا الأثر للتأكيد على شرعية هجر حلق العلم في رمضان .. ولو كانت في أحكام الصيام أو في الوعظ والتذكير بل ولو كانت في تفسير القرآن .. وهذا من تلبيس إبليس على العامة حيث يجد المفرط في مجالس العلم متكأ لتقصيره -على الأقل في رمضان-..وينقطع من كان المواظبين عليها بدلا الاستزادة منها في هذا الشهر..وهذا الصنيع مخالف لدلالة النصوص الآمرة بالإكثار من الطاعات في رمضان وخارج تماما عن مراد الإمام مالك رحمه الله.. فالإمام مالك فقيه ومحدث لا يعرف العطلة حتى في يوم الجمعة وإذا جاء رمضان ترك الفقه والحديث ليتفرغ للقرآن ..ومالك أحد المدرسين لا جميعهم، وليس مراده ترك الوعظ والتذكير، إذ لم يكن إماما رسميا مكلفا بالوعظ والإرشاد، وترجيح تلاوة القرآن على مجالس الحديث والفقه في رمضان، لا يلزم منه هجر مجالس الوعظ والتذكير، ولو قيل إن مالكا كان يسرح طلابه ليتمكنوا من حضور مجالس الوعظ لما أبعدنا.. ثم إذا نظرت إلى حال كثير من هؤلاء الزاهدين في حلق العلم الزاعمين التفرغ للقرآن تجد أحسنهم حالا من يختم القرآن في رمضان مرة أو مرتين.. وإذا ذُكر له حال السلف وما كانوا يقرأون في اليوم الواحد، رده بقوله: من فعل ذلك لم يفقه القرآن، وكأنه عندما قرأ القرآن مرة أو مرتين في الشهر قد فقهه .. وأنى له الفقه وهو قد هجر مجالس العلم والتفسير ..
2-وممن يخطئ في فهم أثر الإمام مالك الوعاظ والمدرسون الذين يتذرعون به لترك واجبهم في هذا الشهر، ولا حجة لهم لأن الإمام مالك لم يكن واعظا ومذكرا؛ وإنما كان فقيها مفتيا ..فبدلا من مضاعفتهم الجهد في هذا الشهر لاستقبال الجموع الوافدة على بيوت الله وتثبيتها على الخير والطاعة؛ تجد منهم الكسل والقعود.. ودلائل الشرع تحث المرء على الزيادة في الأعمال الصالحة في هذا الشهر؛ فالمتصدق يزيد في صدقته والمصلي يزيد في صلاته، والتالي يزيد في تلاوته، وكذلك المدرس يزيد في دروسه..
وقد يضيف بعضهم إلى ذلك جهالة أخرى فيزعم أن تخصيص رمضان بالدروس بدعة .. مع أن هذا التخصيص معلل بمصالح بينة ظاهرة ..ومنهم يزيد على ذلك فيثبط عن المشاركة في المسابقات القرآنية..مع أنه يبرر لكسله بأن رمضان شهر القرآن.. ومنهم من لا يرى من فضائل رمضان إلا العمرة التي تعدل حجة؛ فتجده يعظمها للناس تعظيما، وربما يخصها بدروس تمهيدا وتبريرا لتركه مكان عمله.. ويفعل ذلك كل سنة.. ويدعم فعله بفتوى مفادها جواز دفع الزكاة لمن يريد العمرة(؟)..ومن لم يجد مزكيا أو متبرعا، انتحل وظيفة “حامل الأمتعة” عند بعض الوكالات السياحية وعلق على ظهره وسام مرشد ..وهو قد ترك مهمة الإرشاد في بيت الله تعالى، وقد تكون وظيفته الرسمية التي بها يستحل أجرته…والإمام مالك رحمه الله بريء من كل هؤلاء .
من وحي رمضان: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله علية وسلم :«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» هذا حديث مشهور متفق عليه..ورد فيه ذكر أعمال وشروط لها وجزاء وعليها، ويركز أكثرنا فكره ونظره عند قراءة الحديث أو شرحه في العملين وهما الصيام والقيام، وفي الشرطين وهما الايمان والاحتساب، ولا يقف مع الجزاء الوارد في قوله :”غفر له ما تقدم من ذنبه” الوقفة اللازمة المستحقة، وقد يحمل كثير منا عموم الذنوب على خصوص الصغائر دون الكبائر، استنادا إلى حديث: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (مسلم) والأظهر –والله أعلم-حمل الحديث على العموم، وهو الذي يناسب التنصيص على هذين الشرطين والتأكيد عليهما، وهما الإيمان الدال على الرضا والقبول والخضوع والانقياد، والاحتساب الدال على قوة الاخلاص وصحة الرجاء والطمع فيما عند الله مع حسن الظن به، وهذا فضل الله ورحمته الواسعة وميزانه وعدله.
وإن مغفرة الكبائر بالأعمال الصالحة التي يقترن بها الإخلاص القوي لها شواهد؛ منها حديث المرأة الزانية التي غفر الله لها بسقيها كلبا كاد يهلك من العطش، وهو عمل ليس عظيما في ذاته ولكنه ثقل في الميزان لاقترانه بكمال الاخلاص وإرادة وجه الله تعالى، ومن الشواهد حديث البطاقة الذي ورد فيه رجحان كلمة التوحيد على تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، التي لا شك أنها قد حملت في طياتها شيئا من الكبائر، ولابد أن ننتبه إلى هذا الفضل ليس ثابتا لكل موحد، فأحاديث الشفاعة تدل أن كثيرا من الموحدين يدخلون النار، فتنفعهم كلمة التوحيد في عدم الخلود لا في النجاة؛ ومنه فإن كلمة لا إله إلا الله التي قالها هذا الرجل تختلف عما يقوله غيره، الكلمة هي الكلمة؛ ولكن تلك اقترنت بها أعمال قلبية ثقلتها في الميزان أقواها الاخلاص لله تعالى.
والحاجة ماسة لتكفير الذنوب بما فيها الكبائر بأعمال البر ولو لم يُتب منها، لأن كثيرا من الكبائر يُجترح بالقلوب فيخفى، ومنها ما ينسى فلا يتاب منه، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل الأعمال الصالحة مكفرة للصغائر وإذا توفرت فيها شروط معينة كانت مكفرة حتى للكبائر، فالصوم بشرطه مثل الحج المبرور، ومثل الشهادة في الجهاد ..نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى معرفة قدر هذا الشهر الكريم، وأن يهدينا لاغتنامه ويكرمنا بفضله ، والحمد لله رب العالمين.
من وحي رمضان: استُشكِل كون الصيام والقيام كفارة لجميع الذنوب إذا تحقق فيه شرطا الايمان والاحتساب على وجه الكمال، وعورض بحديث:”كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر” إعمالا لعمومه وترجيحا له على غيره؛ فأردت أن أوضح أن عموم هذا الحديث لجميع الصائمين غير مراد؛ وأنه خاص برتبة من رتبهم ليس إلا، كما أن الأحاديث الأخرى الواردة في الباب تنطبق على رتب أخرى، أدنى منها وأعلى ولنبدأ بأدنى الرتب..
فالأولى: رتبة الصائم الذي أفسد صومه في يوم أو أكثر بلا عذر بأحد المفطرات الحسية، فيحرم نفسه من الأجر بل يأثم إثما عظيما مع وجوب القضاء أو القضاء والكفارة؛ وفي مثله ورد حديث أبي أمامة في عذاب القبر:” ثُمَّ انْطَلَقَ بِي فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ”(رواه ابن خزيمة)…ومثل هذا لا يدخل في حديث التكفير المتوهم عمومه قطعا.
والثانية: رتبة الصائم الذي ليس له من صومه إلا الجوع العطش كما جاء في الحديث، فارق الأول بترك المفطرات الحسية، ولكنه انتهك حرمته بالمفطرات المعنوية من أنواع الزور والباطل من صغائر الذنوب وكبائرها …فهذا صومه صوم مجزئ لا يجب عليه قضاء ولا كفارة، إلا أنه قارف من المعاصي ما جعل أجر صيامه ينقص بقدر معاصيه؛ حتى ضعف وخف وزنه فلم يقوَ على محو صغيرة ولا كبيرة…وهذا أيضا لا يدخل في الحديث.
والثالثة: رتبة الصائم الذي جاهد نفسه فاجتنب المفطرات الحسية والمعنوية، فهذا يكون صومه بإذن الله تعالى صحيحا مجزئا مقبولا ويكون أجره كاملا، ووزنه ثقيلا فيكفر الصغائر التي اقترفت في رمضان، فإن كان العبد مع ذلك قد اجتنب الكبائر في عامه كله كان صومه كفارة لجميع خطاياه فيه ..وهذا هو المعنى المراد بالحديث.
والرابعة: رتبة الصائم الذي لم ينتهك حرمة رمضان كالسابق، وزاد عليه استصحاب الرضا والفرح بهذه العبادة ، والحرص على الاكثار من نوافل الأعمال الصالحة احتسابا للأجر والمغفرة، فلا يضيع وقتا ولا يشغل نفسه بلهو ولا غيره، ولا تظهر منه شكوى ولا ضجر، فحقق الإيمان والاحتساب لا بالمعنى الذي يشترك فيه جميع المسلمين؛ بل بالمعنى الصحيح التام الكامل ..فهذه رتبة أعلى من السابقة وصاحبها يستحق أكثر مما استحقه الأول من الأجر والثواب والمغفرة؛ وهو ما بينه حديث :”غفر له ما تقدم من ذنبه” بعمومه للذنوب الصغائر والكبائر مع الإطلاق عن قيد الزمن …نسأل الله الغفور الرحيم أن يشملنا برحمته وعفوه وستره في هذه الليالي المباركات، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا ..