موتى الأحياءالشيخ عبد المنعم البدراني
هناك كثير من الناس صارت أجسادهم قبورا لأرواحهم، وذلك لأنهم لا يستشعرون مصائب الأمة وكوارثها ونوائبها وكروبها، كالذي يحدث في غزة العزة مثلا، فإن جثث الأطفال والنساء والرجال والشيوخ تحت الركام تمر على عينيه وتراه مشغولًا بالقيل والقال وتوافه الأمور، لا يتحرك له قلب ولا غيرة ولا إحساس ولا شعور بألم بسبب هذه الفاجعة الأليمة التي ألمت بهذه الأمة المسلمة المظلومة المضطهدة من قِبل الصهاينة الساديين القتلة.
وأقطع بأن الذي لم تحرك فيه هذه المحنة مشاعر النخوة والمروءة والشهامة والإنسانية بأنه ميت وإن أكل وشرب ونام وقام وقعد، فإن الدواب تأكل وتشرب وتنام وتقعد ولذلك شبّه الله تعالى أولئك الموتى بالأنعام، بل أضل من الأنعام كما في قوله تعالى في سورة الأعراف :((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179).
فوصفهم الله تعالى بأنهم موتى القلوب وعمي العيون وصم الآذان مع أنهم في الحقيقة أحياء وقلوبهم تنبض وأعينهم تبصر وآذانهم تسمع، ولكن العبرة بقلب واعٍ لما يدور حوله، وببصيرة ثاقبة للأحداث والوقائع، وبسمع للحق واتباعه، فلما ماتت القلوب ولم تأبه بالدماء المعصومة المسفوحة والأرواح البريئة الزاهقة، والأموال المحرمة المسلوبة المدمرة والمنهوبة، صار حكمهم حكم الدواب، بل أضل منهم، لأن الدواب لا تفقه شيئًا من ذلك كله وإن رأته بعينها أو سمعت أنين الثكالى وآلام الضحايا بآذانها.
لقد قتل علماء السوء والمتعالمون من أدعياء العلم والدعوة والإرشاد الغيرة في قلوب كثير من العوام بسبب إرجائهم تارة، وبسبب نفاقهم وإرجافهم تارة أخرى، وبسبب جهلهم تارة ثالثة.
ولذلك أحذر العامة من المسلمين والخاصة من أولئك المفسدين في الأرض الذين هانت عليهم قتلى المسلمين ودماؤهم وأطفالهم ونساؤهم وشيبهم وشبابهم ممن يسحقون تحت آلة القتل والحرب والجريمة المنظمة التي يقوم بها أعداء الإسلام والحق والعدل والإنسانية من الصهاينة القتلة المجرمين.
إن نصرة المسلمين المستضعفين في غزة العزة واجب على كل مسلم ومسلمة، ومن لم يأبه أو يكترث أو يهتم بأمرهم فليراجع دينه
وأذكرهم بقوله صلَّى الله عليه وسلم :(ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) وهذا لفظ البخاري في صحيحه.
وفي لفظ مسلم :(مثل المؤمنين)
وروى مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم :(المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينُه اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه
فيا من تبرأت وتبرّمت من أهلك في غزة وبخلتَ عليهم بالدعاء والاستنكار على من ظلمهم “وذلك أضعف الإيمان” أقول لك:
راجع دينك وإيمانك فإن خللًا قد أصابهما فعجّل بالتوبة، وقف موقف الرجال ولا تكن إمعة تتبع إرجاف المرجفين، ونفاق المنافقين، وجُهّال المتعالمين المغررين بالعامة من الناس بشهادة الزور على الجهاد والرباط لأهل غزة العزة والكرامة.