التقوى ومعية الصالحين
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة التوبة : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)
وفي الآية توصيف وأمران:
فأما التوصيف، فهو توصيف المنادى بالإيمان في قوله جل وعلا :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) وهذا يدل على أن الأمر بعده من لوازم الإيمان باللَّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم.
فأما الأمر الأول، فقوله تعالى:((اتَّقُوا اللَّهَ)) والتقوى هي من أعظم لوازم الإيمان.
وأما الأمر الثاني، فقوله تعالى:((وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)
وهذا الأمر الثاني هو من لوازم الإيمان والتقوى، فالمؤمن التقي هو الذي يتحرّى صحبة الصادقين، ومفهوم المخالفة يقتضي أن الكافرَ أو الفاجرَ يتحرّى صحبة الكذابين.
انظر وتأمل يرحمك اللَّهُ.
فَمَنْ هؤلاء الذين أشار اللَّهُ إليهم بالصدق وشهد لهم به وأمرنا أن نكون معهم؟
الجواب في سورة الحجرات في قوله تعالى :((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)
فهذه صفات الصادقين:
أولاً:
إيمانٌ باللَّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم من غير ارتياب أو شك بلقاء اللَّهِ تعالى وصدق رسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم فيما بلّغَ عن ربِّه كتاباً وسنة.
ثانيا:
جهاد في سبيل اللَّهِ تعالى بالمال والنفس، فالصادق لا مالَ يَشُحُّ به على اللَّهِ تعالى، ولا نفسَ يَبخَل بها عليه سبحانه.
والناسُ في هذا المقامِ مراتبُ:
فقسمٌ يبخل بالمال والنفس على اللَّهِ تعالى وأولئك هم المنافقون.
وقسمٌ يجود بنفسه في سبيل اللَّهِ تعالى ولا يجود بماله، فأولئك مع الصادقين.
وقسمُ يملك المال فيفيض به في سبيل اللَّهِ وتعزُّ عليه نفسه، ففيه نوع صدق وليس الصدق كله.
وقسم يفيض بالمال والنفس نصرةً للّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم و:((أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)).
واليوم إخوانكم في غزة العزة وسوريا المجد وغيرها من الثغور، يجاهدون بأموالهم و أنفسهم، فمن أراد أن يكون معهم فليبذل المال والنفس إن استطاع، أو يبذل المال، أو يبذل النفس، فإن لم يستطع شيئا من ذلك! فليبذل لهم الدعاء والتعريف بقضيتهم على الإعلام، عسى ربه أن يلحقه بهم بنيته الصادقة في نصرة الله ورسوله والمستضعفين من المؤمنين هناك.
يا رب
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مخاطبا الكعبة المشرفة:(ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة مرفوعاً، ورواه الترمذي موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما.
يا رب:
كم من دم زكي يراق على أرض غزة وغيرها من ثغور الإسلام، وحرمته عندك أعظم من حرمة بيتك الحرام.
يا رب: نصرك لعبادك المستضعفين هناك، حقنا للدماء الزكية المحرّمة، وصوناً الأرواح البريئة المحرّمة المظلومة والمضطهدة.
يا رب:
لقد أرسلتَ طيراً أبابيل لتحمي بيتك الحرام من أبرهة وجيشه، فكم لنا من دم زكي قد أريق؟، وكم لنا من روح طيبة قد أُزهِقت، هي أعظم حرمةً عندك من بيتك المحرم!
فيا رب نصرك ومددك وعونك لعبادك المظلومين المضطهدين في ثغور الإسلام والمسلمين.