التأدّب مع الله في الحوار من “هود” و “المؤمنون”

الناقد أدهم الشبيب

لا تكاد تميز تماما هل كانت جمل نوح عليه السلام في أمر غرق ابنه بل إغراقه مع من قضى الله عليهم من الكافرين اعتراضا ام استفهاما، هل كتم الحزن! وما الذي يمكن أن يكتمه العبد عن خالقه العالم بـ {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} ،أم كتم العتاب وأخفى الاستغراب، وكيف يخفي رسول عن مرسله وهو يدري انه {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} ، إنما هي زفرة حسرة أراد أن يناجي بها ربه وهو يرى ابنه فلذة كبده يحوطه السيل من كل جانب وسفينة النجاة التي صنعها بيده وبعين الله ووحيه {فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا} تحمل من الناجين كل غريب، ومحرم على ظهرها حمل ابنه معهم ، وقد عاجله الله تعالى من قبل بتحذيره أن {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}.

فابتدأ نوح خطابه مع الله بقوله متلطفا متحذرا:{رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} فعندما بدأت السفينة- التي صنعها نوح للنجاة بأمر الله- {تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ} و {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُ} الذي {كَانَ فِي مَعۡزِلٖ} بقوله : {يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} وأجاب الابن الغر بعقله إنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء ، ونوح كان يعرف أن {لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ} ، وأثناء المحاورة {حَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ} وغطّى الماء الأرض بأمر الله وأن الابن {كَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} ، وتم الأمر {وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ}.

هنا نادى نوح ربه بعاطفة الأب وحزنه على فلذة كبده، ولكن هذه المرة المخاطب هو الله الذي يؤمن به ويؤمن أنه خلقه هو وابنه وليس أحدا من البشر {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي} أي وأنت أكرمتني أن أهلي سينجون معي {وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ} أي ولا شك عندي أن وعدك حق وقضاءك عدل وأنا بشر تنقصني الحكمة، وقد قضيت عليه أن يغرق مع الكافرين ولاشك أنك تركته يغرق لحكمة وعلم {وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ}.

ولما رده الله تعالى بلهجة حازمة {قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ}، ورغم كل تحوطه وتردده وانتقائه لألفاظه لئلا يبدو عليه الاعتراض على فقد أغلى ما يملك فقد زجره الله ولم يرض عن كلامه وقال {فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ} بل و زاده {إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} ، انظر جبروت الخالق العظيم يخاطب رجلا حول موت ابنه فيقول له اصمت، فعاد النبيّ من فوره وترك أمر ابنه واعتذر فقال: {رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ}.

فغرقُ ابنهِ لم يجعله من الخاسرين إذ أن المقدّر هو الله.

ولكن الخسران هو ألا يغفر الله له زلته ويرحمه، هنا رضي عنه بارئه واستأنفا و {قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ} وهذه هي الغاية من قصة النجاة، الأمم والشعوب التي أرادها الله أن تتكاثر وتديم النسل البشري مرة أخرى من رحم هذه السفينة وليس ولد عاق واحد وهو {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} وفي بعض التفسير أخبر معمر عن قتادة قال: كنت عند الحسن فقال: ” نادى نوح ابنه “، لعمْر الله ما هو ابنه! قلت: يا أبا سعيد يقول الله تعالى: “وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ”، وتقول ليس بابنه؟ قال: أفرأيت قوله: “إنه ليس من أهلك”؟ قلت “إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك” انتهى كلامه.

وبعد فليس شرطا أن ذرية الناجين من الغرق سيكونون من الناجين من العذاب يوم الدين، فهذه أمم منها عليها بركات من الله {وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ} ، فـ {تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَا} فهذه موعظة لك في الصبر يا محمد -عليه الصلاة والسلام ولقومك- ولمن بعدك {فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ}.

Similar Posts