القول المبين في تبيان أسباب العزة والتمكين
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة فاطر:((مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
وفي الآية الكريمة جملةٌ من المسائل:
الأولى: قوله تعالى :((مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ)) وأل التعريف في كلمة :((الْعِزَّةَ)) تفيد الاستغراقَ والتضمنَ لكل معاني العزة في الدنيا والدينِ والآخرة.
الثانية: قوله تعالى :((فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا))
أي إن العزَّةَ الحقَّةَ لا تُستَحصَلُ إلا من الله تعالى لأنه يملك أسبابها وهو المُتَفَضِّلُ بها على من يشاء من عباده ولا يمكن لأحدٍ أن يكون عزيزاً إلا بإذنه
وأصلُ الآية اللغوي:(فالعزةُ لله جميعا) فَقُدِّمَ لفظ الجلالة وهو خبر على المبتدأ ليُفيدَ الحصر.
أنظر وتأملْ يرحمك الله.
واللام في قوله تعالى :((فَلِلَّهِ)) هي لام التملُّك ومنها قوله تعالى في سورة الشورى :((لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49)
الثانية: قوله تعالى :((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ))
وفيها دلالةٌ على أن الْعِزَّةَ لا تتحققُ الا بالقول الذي يُصَدِّقُهُ العمل فلا يُحَقِّقُ لسانٌ ناطق عِزَّةً حقيقيةً من غير عمل وتطبيق لما يعتقده المرء من الحق الذي يَنطِقُ به، فإن القول بلا عملٍ نفاق.
وفي الآية دليل على ما أجمع عليه السلف من أنَّ الإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجَنانِ، وعملٌ بالأركانِ وبهذا المعنى التامِّ للإيمان تتحقق العِزَّةُ للفردِ والمجتمع والأمة، وأن الفساد الذي أحدثه المرجئة في اعتقاد أن الإيمان يصح بالقول دون العمل هو سبب تخلف الأمة وانحدارها وإذلالها وسلب العزة منها.
انظر وتأمل يرحمك الله.
الثالثة: قوله تعالى:((وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
أي إن الأمة إذا آمنتْ بربِّها وبرسولها وكتابها قولاً واعتقاداً وعملاً فلقد تحققتْ لها العِزَّةُ الحقَّةُ التي لا يضرُّها معه كيدُ الكائدين ومكرُ الماكرين ومؤامرةُ المتآمرين، وبشَّرَ اللهُ عباده المؤمنين بخيبة أعدائها وفشل مخططاتهم بقوله تعالى:((وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10))
وبوار مكر الكفار هو عدم تحقق الهدف منه وفشل غاياتهم ومخططاتهم ومشاريعهم من هذا المكر وذلك الكيد لتعذر الوصول إلى المقصد منه، ألا وهو إذلال المؤمنين الذي استعصى عليهم بسبب عزة الله تعالى وإكرامه لهم.
ولذلك قال الله تعالى في سورة الحج :((وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ (18))
ومفهوم المخالفة: ‘ومَنْ يُكْرِمْ اللَّهُ فما له من مهين”.
ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران : ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26).
فإذا أعزَّ اللَّهُ تعالى الأمةَ فبإيمانها الحق الذي يحبه الله تعالى ويرضاه لها ديناً وشرعاً ومنهاجا، كرماً منه وجوداً وإحسانا.
وإذا أذلَّ اللَّهُ تعالى الأمة فبفسوقها ونكوصها عن الالتزام بشرع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفة الأوامر وارتكاب النواهي والتعدي على حدود الله تعالى وانتهاك حُرُماتِه، عدلاً منه وحكمةً ولا يظلم ربك احدا.
فيا أُمَّةَ الإسلام:
يا من أصابتكِ الذِلَّةُ والخذلانُ وسُلِبَتْ منكِ العِزَّةُ التي كانت في أسلافك، عودي إلى ربِّكِ ورسولكِ وكتابكِ ودينكِ عَوْدَةً حَقَّةً لِتَعودَ لكِ العِزَّةُ الحقَّةُ :((فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا))
وَاللَّهُ العزيزُ لا يَهَبُ عزَّتَهُ إلا لأهلِ الإيمانِ الحقِّ الذي كان عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصحبُه الكرامُ وخيارُ الأمة الأطهار.
واليوم يعيد أبطال غزة العزة والكرامة بعض عزة الأمة في مقارعتها لأعتى قوى الشر والتكبر العالمية، وعلى الأمة أن تحذو حذوها لتتحرر من التبعية والذلة لأعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.