أسباب الحرب العقائدية الشرسة على الإسلام وطرق صدّها

الناقد أدهم الشبيب

عندما تقرأ عنوانا كهذا تظن أنك لست بحاجة إلى تكملة المقال، فنحن نتكلم في أمر صار من البديهيات المعلومات لكثرة ما انكشف وما كتب عنه وما تُحدّثَ فيه، ولكن الحقيقة أن الموضوع لا يُملّ لأنه متجدد وطرقه متغيرة مع الزمن، ولا يُترك لأن التصدي له واجب “عينيّ” وليس كفائي وإن ظن المسلمون “فقهيّا” أنه يصح الاكتفاء بجماعة من خواصّ المسلمين للتصدّي لذلك.

العدو في مرحلته الجديدة من الحرب القديمة المتجددة على الإسلام لم يعد يستهدف الخواص ولم يكتف -كما كان- بالتوجه إلى النخب المسلمة أو إلى أهل الاختصاصات الاسلامية لغرض تفنيد عقيدتهم بالجدل والحوار والمحاججة والأدلة كما كان يفعل طوال القرون المواضي ، آنذاك كانت الوسيلة الكتاب والصحيفة والجامعة وأرباب هذه المنصات الثلاث هم قلّة ومثقفون، فكان التصادم والتناحر بين كبار “مثقفينا ومفكرينا” من المسلمين المؤمنين من جهة وبين كبار مثقفيهم من أهل الخصومة “النبيلة” وأصحاب الحيل الفكرية والحجج الفلسفية من “مثقفيهم ومفكريهم” من المسيحيين أو الملحدين أو اليهود أو الوجوديين، فكان الصراع متكافئا والكفة الراجحة -أبدا- للإسلام لقوة حجته ونصوع فكرته وقدرة رجاله وتماسك أسرته.

اليوم -وبعد فشل الجولات الفكرية واندحار الحروب الصليبية – أن تفني الإسلام أو حتى أن تفض أهله عنه، ابتكروا طرقا جديدة للقضاء عليه طوروها تبعا لتطور التكنولوجيا وتجدد وسائل الحضارة -من إعلام وفضائيات عابرة للحدود ثم الانترنت الذي جعل المعلومة المراد إيصالها والهجمة المرتب لها – تصل إلى كل رجل مسلم بالغ عاقل في مكان عمله وفي جلسة سمره بل وإلى كل طفل وامرأة في بيتها ووراء حجابها وسترها.

فما عاد يحجبهم شيء وما عاد يوقفهم عائق عن التلاعب بعقول عوام المسلمين قافزين فوق أقلام مفكرينا وفلاسفتنا وعلمائنا ومعلمينا، و إذ إن الإسلام هو الحائط الأخير أمام الشيطان وبرنامجه وغاياته وأساليبه فإن الحرب الشرسة لابد توجه إلى لب عقيدته، وسبيل النصر هو تفتيت قاعدة المسلمين وهي عوامهم إذ لا فائدة من أقلام تكتب لا يقرأ لها أحد وإن كانت أقلام مفكرين، ولا نفع من خطب وخطابات تلقى ولا تُسمع من أحد وإن كانت خطابات مفوهين، فهؤلاء بلا قاعدة تهفو إليهم وبلا جماهير تصغي إليهم لن يغيروا شيئا ولن يوقفوا هدما ولن يرتقوا فتقا.

لذا صار التوجه بزرع المبتدعين والمشككين من داخل بيت المسلمين وألبسوهم ثياب علماء أو كتّاب أو مفكرين وأسبغوا عليهم ألقابا رنانة فهذا “المجدد شحرور” وذاك “المفكر عدنان” والثالث “التنويري إسلام” و”المفسر كيالي” والشيخ فلان والدكتور فلتان إلى آخر ذلك من إيهام لأصحاب العقول المتذبذبة بين الآراء أو الطامحة “للتفكير والفهم الجديد”! ولكل جديد لذة، أو الموهومة “بتساوي الرجال” لظنهم أن التساوي يكون “بالأبدان واللسان” ، ثم فتحوا لهم القنوات والمنصات لا شغل لها إلا الطعن في الإمام البخاري أو التسقيط لمنهج شيخ الإسلام أو التسفيه للحديث والتتفية لدور السنّة النبوية واللعب على وتر “التمسك بالقرآن لا غير”

وفي الموازاة من ذلك نشر الفساد وحب الدنيا وبهرجة الحضارة ووسائل الترفيه وإشغال المسلمين بتوافه وقشور حضارة الغرب من ألعاب باسم “الرياضة” ليصرف عليها حكام العرب المليارات وليتبعهم شباب الأمة الضائع بالملايين، ونشر الرقص والتعري بين النساء باسم “الفن” ونشر الاختلاط والحرام باسم “الحب والتحضر” حتى لا تبقى بين نسائنا من تنجب لنا قائدا أو تربي لنا ثائرا أو تنشئ لنا مفكرا ملتزما أو فقيها مجددا على كتاب الله وسنة نبيه ومنهج آل بيته وصحابته.

والخَطبُ -والأمر هكذا- فادح والعصر خطير والإسلام صار هدفا هشّا ليس كما كان، فاللعب على وتر العوام وعقول النساء والمراهقين أمر غاية في النجاح وكما ترونه ينتشر كالنار في الهشيم خصوصا وأنهم دعموا كل ذلك وساندوه بتعيين حكام أشد على الإسلام من أعدائه وأخطر على المسلمين من الشيطان وأعجل بالتهديم والنخر فيه من الصدأ في قطعة حديد يصيبها المطر كل يوم.

فليس أمامنا إلا التكاتف -جمهورا قبل الخواص- وأن نحوط أبناءنا بسور من صد عمَّا يراد أن يصل إليهم من تشويش وإفساد، وفضح المبتدعين المنسلخين المشككين المتلبسين باسم العلم والدين والإشارة لهم بالأسماء والصفات دون تردد أو مواراة، والتحذير من أحابيل الحكام، ومحاصرة الظواهر الفاسدة من خلاعة ومنصات ومهرجانات ومواخير باسم الترفيه واختلاط باسم التحضر وانسلاخ باسم الانفتاح.

وأن نعود إلى هويتنا التي جعلونا نستنكف منها ونتخفى عنها، وأن نواظب على تربية أبنائنا بالقران وأن نصر على فتح المساجد وتحفيظ القرآن وجلسات الاستماع للحديث والسيرة والقرون الخيرية الأولى ،”وكل هذه بوادر بفضل الله تنشط الآن، وأن نراقب مناهج المدارس والجامعات فنعترض على المثلية والجندرية والإلحادية ودمج الأديان، وألا نجامل حاكما مرتدا لمجرد أنه يسكن بلاد الحرمين أو نساير رئيسا ملحدا لمجرد أن حزبه يحمل اسما “إسلاميا” وألا نقبل قوانين واتفاقات مشبوهة أن تقر أو تشرع، وأن نوقف المرأة عن التمادي حرصا عليها وعلى أبنائها فهي عاطفية لا تعرف ما يحاك لها إلا حين تخسر كل شيء.

كل هذا بيد العوام وبيدنا وبتوجيه من بسطاء خطبائنا للجمعة ومعلمي المدارس والجامعات، وكل هذا ممكن وما زال متاحا فلنتداركه قبل فوات الوقت ولات حين رجوع، فالأعداء يشنون حملة شرسة على عقيدة الإسلام لتخريبها وجعلها مائعة ناعمة متجاوبة مع نزوات الشيطان “كعقائدهم” لينزاح الإسلام من أمام طريقهم التي مُهدت تماما لتخريب الدنيا على رؤوس اهلها ولم يعد من عائق الا الاسلام ، ونحن ملزمون بحمايته وصيانته على اصوله التي وصلتنا من النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعين، وكل نداءات التجديد كذب ومؤامرة والتفاف، وإلا فالإسلام منذ أن جاء متجددا يصلح لكل زمان، ولم يتوقف الفقهاء والمجتهدون عن مسايرة النوازل والمستجدات من الأمور واستنباط أحكام لها، ولم يتوقف الأصوليون عن دورهم ولم يقطعوا سبيل الاجتهاد، ولم يحتكر المفكرون والمتكلمون باب الفهم والتدبر ولم يغلقوه ما دام موافقا لكتاب الله وسنة نبيه.

فليس دعوات التجديد إلا همزات للتغيير، وما نصائح التفكير إلا حيل للتهديم، وما الإصرار على المراجعة لأصول الدين إلا محاولات جادة لمحوه واستبداله بدين آخر بمسمى قديم، ولكن المسلمون لم ينخدعوا يوما ولم يموتوا ولم يذوبوا، ضعفوا نعم وانفضوا عن مصلحيهم ومرشديهم نعم، لكنهم عادوا في كل مرة وانتبهوا ونجحوا وصمدوا فصاروا مليارين، واليوم مسؤوليتنا وهذا عصرنا ولا بد من أعمال وأقوال نقابل الله بها ونحن عنها راضون وبجنات ربنا مستبشرون. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ،

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : “يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية؛ معدن العلم، وكنز الإيمان، وجند الرحمن و قال بن مسعود : من كان مستنا فليستن بمن قد مات [ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ] أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة ، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم.”

فاللهم أعنا على حرب المغرضين وجنبنا طريق المخالفين وأدمنا على نهج الأولين ونجّنا يوم الدين.

Similar Posts