سَوق الدليل على من تقلب في المتاع القليل
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة آل عمران:((لَا یَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ (196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197).
وهذا نهي مؤكد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأن لا ينبهرَ وأن لا ينخدع بما يملكه الكفار من قوة ومن عُدَّةٍ ومن عدد، ومن ظهور في الأرض، واستيلاء منهم على البلدان والتحكم فيها وفي مقدّراتها، مع نوع طغيان وتكبُّر وتجبُّر وغرور، فلقد وصف الله تعالى ذلك كله بقوله:((مَتَاعٌ قَلِيلٌ)) مهما رآه المسلمون كثيرا، ومتاع ضعيف مهما رآه المسلمون قويا، ومتاع زائل مهما توهم المسلمون بأنه باقٍ وخالد وغير آيِلٍ للزوال.
فيا أيها المسلمون:
لا تستهينوا بما معكم من قوة، مغترِّين بما مع أعدائكم من قوة، ومنبهرين بما مع أعدائكم من ملك زائف وآيل للسقوط بإذن الله تعالى.
وهؤلاء إخوانكم المجاهدون المرابطون على ثغور غزة العزة، قد أذاقوا هذه القوى المتجبرة زقوم الموت والهلاك على أرض غزة الحرة، فمن كان الله معه فإن العاقبة له بإذن الله.
ثقوا بربكم، وأحسنوا الظن به، وتوكلوا عليه، واستعينوا به، ولوذوا بجنابه الكريم، واحتموا بحماه، وألظّوا بـ يا ذا الجلال والإكرام، وسيدهشكم الرحمن بأكبر مما تتمنون.
فحرف الجر :((مِنْ)) في كلمة. :((مِنْهُمْ)) يفيد التبعيض، ولذلك تجد أكثرهم لا يقِلُّون عداوة للذين آمنوا من اليهود والمشركين.
وهذه العداوة من اليهود والنصارى والمشركين واضحة للعيان في حربهم على المسلمين في كل بقاع الأرض، وخصوصا في غزة العزة والكرامة فلقد اجتمعت كلمتهم على سحقها وسحق أهلها، بالقتل أو التهجير.
مسألة :
قوله تعالى في سورة التوبة:
((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (18)).
نقطة البحث :
لماذا ختم الله تعالى هذه الآية المباركة بقوله عزَّ مِن قائل:((وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (18))؟!
الجواب: هو أَّ كل من جعل سقاية الحجاج، وعمارة المسجد الحرام مثل منزلة المؤمنين المجاهدين في سبيل الله بالثواب أو بالقدر عند الله تعالى فهو ظالم لنفسه ولغيره من المجاهدين المرابطين على ثغور الإسلام، والذي ردَّ على هؤلاء الظلمة هو الله العدل الذي حرَّم الظلم على نفسه في قوله تعالى:((لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ)).
وبيَّن الله تعالى أن أمثال أولئك الظلمة الذين ساووا بين إعمار المسجد الحرام والقيام على خدمة الحجيج مع الجهاد في سبيل الله أنهم ضالّون بإضلال الله تعالى لهم فلا يهديهم سبيل الرشاد والسداد :((وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (18))
وقفة
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
قالها أبو تمام وصدق وأجاد وأصاب كبِدَ الحقيقة.
فالكتابة والخطابة والدرس بمقدور كل أحد إذا درس وتعلم، ولكن السيف والرمح وظهور العاديات لا يقدر عليها كل أحد، إلا من اصطفاه ربه واجتباه ومَنَّ عليه أن يكون جنديا من جنوده ويقاتل في سبيله، نصرةً لدينه، وإعلاءً لكلمته، ولا يتأتى هذا الفضل من الله تعالى إلا لمن اطلع الله تعالى على سريرته وصدقه وحُسْنِ طويَّته، وصفاء نيَّته، فشهد لهم بالصدق في مرادهم للخروج في سبيله فقال جل وعلا في سورة الحجرات:((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(15)).
واليوم يسطِّر إخواننا في غزة العزة والكرامة أسمى دواوين المجد والعلياء، ومداد تلك الدواوين دماؤهم الزكية، وأنفسهم الأبيّة، وفلذات أكبادهم من البنين والبنات، والزوجات والآباء والأمهات، والأموال المنقولة وغير المنقولة.
فهل هناك دليل على الصدق أوضح من هذه التضحيات الفادحة والقرابين المقدمة فدىً لله تعالى ودينه.
فهنيئا لهم هذه العطايا التي يغبطهم عليها كل عاقل لبيب، عرف حقيقة الدنيا فأدبر عنها واستقبل الآخرة بنفس آثرت جنة عرضها السموات والأرض على هذه اللعاعة الرخيصة.