اختلال التوازن الفكري واضطراب الفهم

الشيخ عبد المنعم البدراني

أحدهم يقول لي: أنت صوفي قبوري!

فضحكت من قوله، وقلت له اثبت لي ذلك.

فقال طالما ترد على الشيخ الفوزان فأنت صوفي قبوري!

انظروا إلى تلك المقاييس الجاهلة المختلة التي يكفرون بها المسلمين يطعنون بهم وبدينهم وبعقيدتهم، بمجرد ما ترد على أحد العلماء مثل الشيخ الفوزان أو الشيخ المدخلي أو الشيخ الجامي وأشباههم فأنت صوفي قبوري أو خارجي أو سروري أو قطبي أو إخواني والقائمة تطول.

عندهم مجلد كامل من المسميات التي يلصقونها بمخالفيهم وباسم السلف والمنهج السلفي، وأنا أقول وبملء الفم، وبأعلى الصوت:

السلف منكم بُرآء، ومنهج السلف منكم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

يقول أحدهم: إن أهل حماس فئة ضالة، لا يجوز الدعاء لهم

قالوا له:

هل يجوز أن ندعو للكفار بالهداية؟

قال: نعم

قالوا له: وحماس؟

قال: لا….!

تأملوا مستوى الحمق والجهل عند هذا وأمثاله المتعالمين الضالّين عن سواء السبيل، فلو فرضنا “جدلاً” بأن حماس فرقة مبتدعة وضالّة، فإن الإجماع منعقد على وجوب نصرة المسلم المُحدِث والمبتدع إذا قاتل الكفار والمشركين، فلو فرضنا أن المعتزلة قاتلوا اليهود أو النصارى وغيرهم من الكفار والمشركين فإن الواجب الشرعي يُلزم جميع المسلمين القادرين على نصرة المعتزلة بأن ينصروهم، وإذا تخلوا عنهم مع القدرة فإنهم آثمون.

ولذلك ترى أن الإمام أحمد خالف أمراء بني العباس في مسألة خلق القرآن، لأنهم وافقوا المعتزلة في القول بخلق القرآن، ولم يُجز الخروج عليهم، وأوجب طاعتهم لأنهم مسلمون يحكمون بشرع الله، ولو أنهم خرجوا للجهاد أو اعتدى عليهم كافر لأوجب الإمام أحمد القتال معهم.

الغَيْرة الفاسدة: وهي غيرة على الدين والسنة في غير موضعها المراد لها شرعاً ودينا، فهؤلاء الحمقى والخرقى هم الذين يتقمصون ثوب الغيرة على الدين إذا قنت الإمام في صلاة الفجر مثلاً ، لاعتقاده ببدعية القنوت، فيُفسِّق ويُبدِّع الإمام والمأموم الذي يوافق إمامه فيه، مع أن المسألة خلافية وليس مُسَلَّماً ببدعية القنوت، فكانت هذه الغيرةُ فاسدةً وفي غير موضعها الذي يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وأما الموضع الذي يستلزم الغيرة المُفعَمة بالحرص على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالكم العامة والخاصة كما يحصل لأهلينا في غزة العزة والكرامة، فهذه لا تعنيه ولا تحرك به نخوة ولا شهامة ولا مروءة.

فبئستُ المرضعة، وهو شيخه الأحمق الذي علّمه هذه الغيرة الفاسدة، وبئست الفاطمة وهي العاقبة السيئة له في الدنيا والآخرة.

اختلال التوازن عند بعضهم عندما يُعَظِّم أمر أولياء أمور المسلمين الذين ظهرت عمالتهم وخيانتهم، ويتهم من ينتقدهم على مواقفهم المتخاذلة تجاه مصائب الأمة بالخارجية أو السرورية أو القطبية وغيرها من التهم الجاهزة المعلبة ،ثم لا يتقي اللّهَ تعالى ولا يخشاه يوم يتهم المجاهدين المرابطين على ثغر من ثغور الإسلام والمسلمين في غزة العزة والكرامة بأنهم عملاء، فلا يرى مشروعية دعمهم ولا حتى الدعاء لهم!

عن أبي بكر بن الأنباري قال: قال الفراء: لقيت الكسائي يومًا، فرأيته كالباكي. فقلت: ما يبكيك؟

فقال: هذا المَلِك يحيى بن خالد يوجِّه إلي فيحضرني فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل.

فقلتُ – ممتحنا لَه ُ- : يا أبا الحسن، مَن يعترض عليك؟! قُلْ ما شئتَ فأنت الكسائي.

فأخذ لسانه بيده، فقال: قطعه اللَّهُ إذن إن قلتُ ما لا أعلم”

المنتظم لـ ابن الجوزي ( ٩ / ١٧٢ )

رحم اللَّهُ العلماء العاملين الورعين والمتهيبين من أمر الفتوى والتقول على اللَّهِ ورسوله ‏صلى اللَّهُ عليه وسلم.

فأين شبابنا وطلاب العلم الصغار المبتدئين الذين يفتونُ بغير علم؛ ويؤصِّلون لبعض المسائل الكبار والتي توقَّفَ عند ساحلها الغوّاصون المهرة.

فَرَحِمَ اللَّهُ امرأً عرف قدر نفسه، وَلْيَقْتَدِ العقلاءُ بأئمتنا وسلفنا الصالح في تعظيم أمر الفتوى وأنها إمضاءٌ وتوقيعٌ عن اللَّهِ تعالى.

يقول اللَّهُ تعالى في سورة النساء :((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ ))الآية ١٧٦

فالمفتي هو ناقل في الأصل عن اللَّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم، فمن ذا الذي يَجْرُؤُ على التقوُّل على اللَّهِ تعالى ورسوله ‏صلى اللَّهُ عليه وسلم إلا من سَفِهَ نفسَه وتبوأ من النار مقعداً!

كما هو واقع اليوم في استعجال العامة والبسطاء في مسألة الإفتاء في أمور عظام كما هو شأن خوض العامة في أحكام الجهاد والرباط في غزة الغزة والكرامة، فهل تتحملون مسؤولية الدماء التي سُفِكت، والأرواح التي أُزهِقت، والأموال العامة والخاصة التي سُحِقت!

فنصيحتي لنفسي أولاً، ولكل من يبلغه منشوري هذا من طلاب العلم المبتدئين والعوام من المسلمين أن يتقوا اللّهَ ولا يتعجلوا في الفتوى أو التأصيل، وأن يتبعوا أئمة الهدى في تعظيمهم لأمر الفتيا فإن الفتوى والتأصيل بغير علم باب من أبواب جهنم.

يقول النبي ‏صلى الله عليه وسلم:(من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) رواه الامام البخاري وغيره بألفاظ عديدة

قلتُ: والفتوى بغير علمٍ والتأصيلُ من غيرِ علمٍ هو كذبٌ صُراحٌ على اللَّهُ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم.

Similar Posts