خاطرة في باب آداب الدعوة والنصح
بقلم : د. محمد الحاج عيسى
في هذا الصباح وأنا أقرأ رسالة محمد بن يوسف السنوسي في الطب وقفت عند عبارة منه أعجبتني، حيث أعرض الشيخ عن ذكر فوائد الخمر التي اعتاد الأطباء ذكرها، ولا ينبغي لذي لب أن ينقل ذلك بعد سماعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فكان الشيخ في هذا الموضع ناقدا لا مجرد ناقل ؛ فقد قال رحمه الله:” وأما الخمر فلا (أتحدَّث) (فيه) البتة، وإن كان قد تحدّث فيه جل الأطباء، فأنا اقول إن الكلام فيه لا ينبغي لذي عقل، رعيا وامتثالا لحرمة النهي الذي ورد في ذلك ..ومن بلي به فعليه بالاستتار ، وأن لا يرشد أحدا عليه، بل يجب عليه أن يستغفر الله تبارك وتعالى، ويسأله الإقالة من هذه البلية التي توبق صاحبها في النار”
ثم إني تأملت كلامه فوجدته مع تأكيده على تحريم الخمر وعدم وصفه ضمن الأدوية؛ لم يكتف بتجاوز كلام الأطباء وحذفه؛ بل استمر في الكلام موجها لمن بلي بشربه ثلاثة نصائح ..وكأنه يقول وأما من اغتر بكلام الأطباء أو كان معتادا شربه فهذا لابد لي من توجيهه ولا أحرمه من نصحي، عسى أن لا يتسع شره إلى غيره ولا يمتد به الحال طول عمره، لأن الشيخ يعلم أنه منذ نزل تحريم الخمر ولا يزال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يشربه ، ولكل نصيحة من هذه النصائح دلائلها ومقاصدها ..
الأولى : الاستتار وعدم المجاهرة، لأن إثم الكبيرة يتغلظ بالمجاهرة ومفاسدها تتسع ، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ عَمَلًا بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ. فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الثانية : عدم الإرشاد إليه، بمعنى عدم إغواء الناس بشربه أو دلالتهم على ما يتوهم من فوائده -لا دلالتهم على مكان شربه – ومفسدة الدعوة إلى شربه أعظم من مجرد المجاهرة؛ وهي غير ملازمة لها فقد يرشد إليه دون إعلان أو إشهار ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْء» رَوَاهُ مُسلم.
الثالثة : الاستغفار مع سؤال التوفيق إلى التوبة؛ وهما في تقديري متلازمان فلا يصح الاستغفار إلا في حال كراهة الفعل؛ وهي الكراهة التي ضعفت أمام هوى النفس؛ فيطلب المبتلى من ربه أن يقويها في نفسه، وأن يعينه بتيسير أسباب قوة الإيمان التي تصرفه عن هذه الكبيرة صرفا نهائيا، ومن أدعية استفتاح الصلاة :” اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ” متفق عليه، ومعنى المباعدة صرفها والعصمة منها سواء كانت واقعة أو متوقعة..
وهكذا ينبغي علينا أن نكون في واقعنا المليء بالمنكرات فلا نُسْلم المخالف للهدي –فضلا عن الرأي- لهواه وللشيطان؛ فنقطع عنه النصح والتوجيه؛ بل نعينه على الهداية وعلى ما يخفف شر مخالفته إن تعذرت الأولى.. وكم لهذا من تطبيقات في عصرنا